تعلو في الأوساط العربية من حين لآخر نغمة نشاز تزيد من حالة الاحباط العام مؤداها أن أمة العرب فقدت القدرة على الفعل ولا حول لها ولا قوة وعليها أن تستجدي الآخرين (لحلحلة) مشكلاتها المستعصية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وأقصد (بالأخرين) الولايات المتحدة التي يلجأ اليها العرب بشئ من (التواكل) لانقاذ الشعب العربي الفلسطيني من العدوان الصهيوني اليومي. تعلو هذه النغمة النشاز في وقت يجري الاعداد لانعقاد مؤتمر القمة العربي في العاصمة اللبنانية بيروت المقرر له في مارس الحالي. والغريب ان بعض المعنيين بصنع القرار العربي واقع تحت تأثير نغمة اليأس والاحباط ويتحججون بأن ذلك هو منطق الواقعية في الحكم على حال الأمة. على أي حال لا نستطيع أن ننفي وجود حالة التشرذم العربي والشعور بعدم القدرة لكن في الوقت نفسه روح الأمة لم تمت بعد ومن الخبرة التاريخية جاءت لحظات القوة من أشد المواقف ضعفا. بعبارة أخرى.. نحن في حاجة الى التماس روح التوحد اذا أردنا أن نتجاوز حالة الوهن التي نحن فيها. يرى البعض أن الثقة المطلقة في الدور الأمريكي في الشرق الأوسط يمكن ان تكون وسيلة لحل القضية الفلسطينية وأعتقد أن من حق هذا البعض أن يعتقد في ذلك ولكن ليس من حق البعض الاخر ان يتسول الحل الأمريكي لسببين: السبب الأول :ان الرهان على الدور الأمريكي للحصول على الحقوق العربية طريق مسدود لأن العرب في هذا الحالة يفعلون كمن يستجير من الرمضاء بالنار! السبب الآخر: أكدت الاحداث دوما أن الاعتماد على الذات العربية هو الاساس في التعاطف مع المشكلات القومية حقا يجب ان نضع الدور الأمريكي في الاعتبار لكن ليس من الواقعية في شئ تصور ان الموقف الأمريكي غير منحاز للطرف الاسرائيلي ويمكن أن يقف في صالح الحقوق العربية!! من خلال هذين السببين المتقدمين نستطيع أن نكتشف على سبيل المثال لا الحصر انه في ظل الحصار الاسرائيلي لياسر عرفات داخل مقره في رام الله فيما يشبه (الاعتقال) تصر اسرائيل والولايات المتحدة على تحميله مسئولية العمليات الفدائية التي تتم في فلسطين المحتلة!! وهنا نتساءل.. أليس هذا الموقف دليلا قاطعا على أن التمسح بالولايات المتحدة يعني عدم الفهم لحقيقة العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل؟! اذن المنطق الواقعي الحقيقي ليس في اعلاء نبرة القنوط والاحباط العربيين ولكن في الاستفادة من الواقع العربي مهما كانت ظروفه الموضوعية التي تدعو الى اليأس ومحاولة البحث عن مخرج يحفظ ماء وجه الكرامة العربية. وليس هناك أي شك في ان التاريخ العربي القديم والحديث ملئ بالمواقف الحالكة التي لا تقل عما نعيشه اليوم واستطاع العرب بالأمس أن يتغلبوا على هذه المواقف بفضل الارادة الجماعية للأمة أولا وأخيرا وأتذكر معكم من التاريخ ثلاثة أمثلة أقدمها للذين أعلنوا وفاة أمتهم. الدور الذي قام به السلطان الناصر صلاح الدين في عصر الدولة الايوبية عندما حشد العرب والمسلمين بعد تفرق وضعف واستطاع ان يكسر شوكة الغزو الصليبي الذي كان يتمثل في قوة عسكرية جبارة جمعت كل جيوش وأساطيل أوروبا.ومن التفكك والأزمات السياسية المتتالية في عصر دولة المماليك قاد السلطان سيف الدين قطز الأمتين العربية والاسلامية في التصدي لجيوش التتار الزاحفة التي أتت على الاخضر واليابس في بلاد العراق والشام حتى استطاع ان يحقق النصر المبين على الغزاة. وفي العصر الحديث نتذكر كيف واجه جمال عبدالناصر العدوان الثلاثي في عام 1956 الذي استهدف القضاء على الثورة المصرية الوليدة واستكثر على الشعب المصري أن يعيد بناء كيانه ويحافظ على استقلاله كما لا ننسى ان الأمة العربية التي طالتها جراح الهزيمة المثخنة في عام 1967 بعد عدوان اسرائيلي واسع النطاق، نقول استطاعت هذه الأمة أن تتجاوز مرارة النكسة وتعيد صياغة قوتها من جديد حتى حققت نصر أكتوبر في عام 1973.وهكذا نكتشف ان حال الأمة اليوم في حاجة ماسة الى صلاح الدين أو قطز أو عبدالناصر من جديد ليعبروا بهم حالة الاحباط واليأس السائدة حتى بين بعض صناع القرار العربي ويحاولوا مواجهة العدوان الصهيوني الذي استفحل نتيجة عدم وجود رادع له. يواجهونه بشكل علمي بعيدا عن الشعارات والبيانات! ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر القمة العربي المقبل في لبنان لأنه يجب بالدرجة الأولى أن يرفض نغمة اليأس النشاز في عالمنا العربي خاصة وأنه ينعقد في ظل ظروف دولية واقليمية مغايرة نحاول رصدها على النحو التالي.. على المستوى الدولي.. تعتبر قمة بيروت أول لقاء عربي على هذا المستوى يعقد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة التي اثبتت تداعياتها أن هناك محاولة لتشوية الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في العالم الغربي. وفي الوقت نفسه اخشى أن يكون العرب أو على الاقل بعضهم قد انساقوا وراء عملية الخلط المتعمدة التي وقعت فيها السياسة الأمريكية بين ظاهرة الارهاب وحق الشعوب المشروع في مقاومة المحتل وفي هذا الصدد نقصد مقاومة الشعب الفلسطيني للعدوان الاسرائيلي وفي تقديري أن احدى المهام الرئيسية لمؤتمر بيروت هي ان يحدد المجتمعون موقفا عربيا واضحا من هذا الخلط ففي اللحظة التي يجب فيها ان نرفض وندين أي شكل من أشكال الارهاب يجب أن ندعم ونؤيد حق الشعب العربي الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن كيانه في مواجهة العدوان الصهيوني!! ومن القضايا المهمة التي تفرض نفسها على القمة - حسبما أرى - ذلك التساؤل: لماذا سيظل العرب يتجاهلون حشد قوتهم الاقتصادية في عالم لم يعد يعترف الا بالأقوياء الأغنياء؟! لماذا تصبح التنمية الشاملة مفهوما مقصوراً تطبيقه على مناطق محدودة من عالمنا العربي في حين مازالت هناك مناطق عربية كثيرة لم يتخط واقعها أوائل القرن الماضي.. مناطق مازالت تئن من وطأة الثالوث المخيف.. الفقر والجهل والمرض؟! ونتساءل مرة ثالثة.. لماذا توحدت أوروبا اقتصاديا وسياسيا رغم انها فكرت في ذلك التوحد بعد قيام جامعة الدول العربية بنحو عقد كامل من الزمان؟! لقد آن الآوان أن يهتم القادة والزعماء العرب بالاقتصاد العربي ككل خاصة والعالم يدخل عصر الجات وعولمة الاقتصاد الدولي!! على المستوى الاقليمي يأتي لقاء القمة في بيروت بعد عام من التغيير الذي حدث في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ولاقى هذا التغيير تأييداً واستحسانا على المستويين الحكومي الرسمي والشعبي العربي حيث ان الفكر والعقل العربي يطمح في أن يرى جامعة عربية جديدة في الاداء السياسي والوظيفي وهذا ما أكده الأمين العام عمرو موسى بمجرد توليه مهام منصبه ورغم ان التغيير الجذري الشامل أمر ليس سهلا لأن عمر الجامعة أكثر من خمسين عاما ومرت بمراحل الحقبة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال الوطني وواجهت كل التحديات التي هددت الأمة العربية ولا شك أنها ورثت هياكل بيروقراطية يتحتم تغييرها.. نقول رغم ذلك فإننا كنا نتصور أن تفعيل دور الجامعة العربية سوف يظهر بعد فترة من تولى موسى ولكن على المستوى العام مازلنا ننتظر الشكل الجديد لجامعة العرب. وأعتقد أن تفعيل دور الجامعة أمر مهم عند التعاطي مع المسألة الفلسطينية التي من المفترض أن تكون هم العرب الأول ولا أتصور دورا عربيا فاعلا في المسألة الفلسطينية دون رؤية ايجابية موحدة تطرحها جامعة الدول العربية وعليه يصبح من الأهمية بمكان أن يراجع القادة والزعماء العرب في قمة بيروت دور الجامعة حتى يمكن وضع اطار جماعي عربي لكيفية التعاطي مع المسألة الفلسطينية في ظل استمرار ارهاب الدولة الذي تمارسه حكومة شارون وفي الوقت ذاته يجب أن يحدد العرب موقفا حاسما من الحكومة الاسرائيلية الحالية التي تتحمل المسئولية كاملة في تدمير عملية السلام. خلاصة القول.. أن نجاح قمة بيروت مرتبط بتجاوز روح اليأس والاحباط وان يرتفع القادة العرب فوق أي خلافات أو مواقف سلبية تعوق مسيرة العمل العربي المشترك والانتقال الى مرحلة حشد القوى القومية وتشكيل الرادع المناسب لوقف شارون عند حده وانقاذ الكيان الفلسطيني من مؤامرة التصفية. ـ كاتب مصري