المكان واحة وماء وشجر والزمان مهرجان. هذه دبي إمارة النوارس والشبابيك ومدينة الخيل والخيال، تجدّد للعام السابع على التوالي عاداتها الجميلة متمسّكة برحابتها وكرمها مع أهلها والمقيمين فيها، بمقدار احتضانها وحُسن ضيافتها للقادمين إلى ربوعها من شتّى بقاع الأرض. ومنذ أقامت دبي مهرجانها لأول مرة، كان بادياً للعيان مدى أهمية اقتران الحضور الإنساني بنجاح الحدث، وظلت الفكرة تتطوّر، وصارت تبلغ كل عام نضجاً جديداً ومضموناً مختلفاً. لكن الجدير بالنظر هذه السنة هو التأكيد على شعار الدورة السابقة للمهرجان: «عالم واحد عائلة واحدة»، في دلالة واضحة على سعي دبي المتجدّد لتقديم نموذج إنساني للعولمة وصورة مشرقة للعلاقة بين حضارات الشعوب وثقافاتها، منطلقة من تجربتها الفريدة عربياً في استضافة هذه الفسيفساء المدهشة التي تأتلف ضمنها شعوب وجنسيات ومشارب عدة. هذه العولمة التي تشهدها دبي، تنبثق عنها تظاهرة سلمية مختلفة كثيراً عن تظاهرات مدينتي «سياتل» الأمريكية و«جنوى» الإيطالية.. إنها تظاهرة فرح وبهجة. والمسألة في دبي، أنها لم تُقِم مهرجانها لمجرّد تظاهرة تجارية كما توحي تسميته للوهلة الأولى، فالقضية ليست غواية تسوّق وتحطيم أسعار وعروضاً مغرية لاستدراج الجمهور إذ أن هذه المدينة بتاريخها التجاري اللامع لا تحتاج إلى شهر واحد لإثبات براعتها في صناعة التسوّق واستقطابها كل جديد من السلع والابتكارات، فهي على مدار السنة تُعلن تفوّقها الذي بات نمط حياة يومياً وشعاراً لسوقها الناجح بامتياز. ولعل هذا التميز الذي تتّسم به دبي وأحداثها يُعود بجذوره إلى تراكمٍ من التعب والعرق حققه بنوها الذين نسجوا الخيوط الأولى للعُروة الوُثقى بين دبي والآخر. فأهلوها كانوا يجوبون البحار ويمخرون عباب الموج بأيديهم المجبولة بالصبر والملفوحة برطوبة البحر والجزر الصغيرة، وفي قلوبهم أملٌ بغلّة وفيرة وحصاد يحقّق الأمان لمن هم في الانتظار، فيما كان نواخذة تلك المراكب ينظرون بعيون ثاقبة نحو الآفاق البعيدة. دبي التي تآلفت مع البحر منذ أيام العيش في زمن الصبر المغمّس بتعب الصيادين والغواصين، ظلت تواظب على هذه العلاقة بين موانئها ومرافئ الهند وشط العرب وإيران، إلى أن حقّقت بكدّ وجهد بنيها دهشتها التي يحسدها عليها العالم كله. وإذ ذاك نُدرك أن مهرجان دبي ينحدر من تاريخ وتراث، ونكتشف كيف تطوّر مفهوم العلاقة بين هذه الإمارة والخارج، إلى أن أصبحت أحد أهم مراكز التجارة والأعمال في العالم، وواحدة من أفضل الوجهات السياحية التي تقصدها شعوب الأرض قاطبة. في مهرجانها لهذا العام، أقامت دبي مزيجاً جميلاً يجمع في ثناياه الثقافة والفن والتراث برؤى عالمية متنوّعة لكن متجاورة ومتآلفة، وبموازاتها يتجلّى معنى اجتماعي يتمثّل في تعزيز مفهوم الأسرة المثالية التي هي الأساس في بناء مجتمع معافى قادر على الانتاج والتطوّر. فعلى مساحة المهرجان وفعالياته العديدة، يمكننا ملاحظة الجهد الإبداعي المبذول والأفكار الخلاّقة التي أضفت على مفهوم التسوّق أبعاداً إنسانية. فمن القرية العالمية التي تنطلق من رحابها صورة تختزل عادات وتقاليد وتراث شعوب عدة، إلى شارع الضيافة حيث المحترف التشكيلي الذي سيمتد على مسافة كبيرة، ويقوم خلاله فنانون من أقطار عربية وأجنبية بعرض ما أبدعته مخيّلاتهم وأناملهم، وصولاً إلى شارع السيف عند حوافّ الخور حيث مجموعة من كبار الحرفيين تؤلّف مشغلاً عالمياً، ينقل لروّاد المهرجان وبشكل حيّ أكثر الفنون اليدوية قدماً وأجملها إتقاناً. والفن أيضاً سيكون حاضراً، مسرحاً وغناءً ورقصاً، فبالإضافة إلى مغنّين وفرق من بلدان عدة سيحيون حفلاتهم ضمن «ليالي دبي» وأماكن أخرى، ستشهد مدينة دبي للإعلام عرض مسرحية «ألفا ليلة وليلة» لفرقة كركلا اللبنانية على مدى أربعة أيام، تعزيزاً لحضور الفن العربي الراقي، ورسالة من دبي للعالم بأنها في موازاة تطوّرها التقني العمراني والتجاري تنتج أيضاً أعمالاً فنية ذات بعد ثقافي وإنساني. إذن، ها هي دبي تطلق مهرجانها كفعل محبة للوئام العالمي ومن أجل سعادة البشر في عائلة واحدة. ولعل هؤلاء الذين يؤمّونها هذه الأيام فضلاً عن المقيمين فيها يُبادلونها أيضاً العشق والمودة، وفي قرارة أنفسهم أن دبي بمهرجانها إنما تكسر حدّة الوقائع المرة التي يعيشها العالم، وتعزف لحن السلام الإنساني. E-mail:Ismail_haidar@yahoo.com