قبل ان تحتج على مقتل 17 مدنياً في جنوب السودان على يد القوات المسلحة السودانية كان الأجدر بالادارة الامريكية ان تسائل نفسها عن مقتل 40 أفغانياً قرب مدينة خوست الأفغانية من الموالين لحكومة قرضاي على أيدي القوات الخاصة الامريكية عن طريق «الخطأ». وكان على الادارة الامريكية ان تسائل نفسها وجنرالاتها عن مقتل ما يربو على مئة من وجهاء القبائل الافغانية كانوا في طريقهم الى كابول لتهنئة قرضاي بتوليه السلطة. وكان عليها ان تسأل وتلح في السؤال.. لماذا أطلقت مروحية أمريكية صواريخ على قرويين أفغان أبرياء وغير مسلحين قرب جلال أباد فقتلت منهم خمسة عشر؟! وقبل هذا وذاك هناك السؤال الأكبر: كم عدد المدنيين الأفغان ضحايا الحرب الأمريكية في افغانستان ابتداء من الأسبوع الأول من اكتوبر الفائت حين بدأ القصف الجوي العشوائي على المدن والقرى والجبال؟! الادارة الأمريكية تتكتم عن الاحصائية، لكن موظفي الأمم المتحدة الميدانية يقدرون الرقم بنحو 3500 شخص بينهم نسبة كبيرة من الاطفال. وهو رقم يتجاوز عدد ضحايا مركز التجارة العالمي في نيويورك الذين باسمهم ومن أجل الثأر لهم شنت الحرب الامريكية على الافغان. ومع ذلك تتوافر لادارة جورج بوش جرأة لمساءلة الحكومة السودانية عن مقتل 17 مدنيا في حرب جنوب السودان، ثم تقيم الدنيا ولا تقعدها لمقتل مواطن امريكي واحد فقط لا غير.. هو الصحفي دانييل بيرل على يد جماعة اسلامية باكستانية. لقد سكتت الادارة الامريكية عن مسلسل حوادث القتل التي ارتكبتها قواتها الخاصة بحق عشرات من المدنيين الافغان.. فلم تتحرك الا مؤخرا وبعد ضجة عالمية فأجرت تحقيقاً في الحادثة الأخيرة التي جرت في مدينة خوست. وبعد ان انتهى التحقيق لم يجد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد سوى ان يعترف بأن ما جرى كان قتلا «خطأ». لكنه مع ذلك رفض تقديم اعتذار سواء للحكومة الافغانية أو لذوي الضحايا. وعندما سئل ما إذا كان سوف يتخذ اجراء تأديبياً بشأن الضباط والجنود المسئولين عن هذا القتل الجماعي الشنيع قال متسائلا: «لماذا يجب ان يكون هناك اجراء تأديبي؟.. لا يمكنني ان أتصور سبباً لذلك»! لماذا إذن تطالب الادارة الامريكية حكومة باكستان بملاحقة قتلة الصحفي بيرل؟ إن الاستخفاف الامريكي بقتل المدنيين الافغان الأبرياء على أيدي القوات الامريكية الخاصة وكأنهم شياه سائبة لا يعادل شناعته الا ذلك التحرك الشامل الاندفاعي نحو مقتل مواطن أمريكي واحد في باكستان. لقد خفت فرقة من رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي لتشارك فرق الأمن الباكستاني في ملاحقة قتلة الصحفي دانييل بيرل واعتقال المشتبه بهم. وخفت السفيرة الامريكية في اسلام اباد الى طلب مقابلة عاجلة مع رئيس الدولة. وعندما أتيح لها الاجتماع مع الجنرال مشرف طالبت بتسليم المشتبه به الرئيسي المعتقل الى الولايات المتحدة. وعلى خلفية ضجيج الشبكات التلفزيونية الامريكية وهي تنعي بيرل وتقرظه وتكرر وتعيد مناقبه وتعزي زوجته يعقد مجلس الشيوخ جلسة خاصة لتأبين الراحل. ومع ذلك لا يرى وزير الدفاع أي سبب للاعتذار عن مصرع أربعين أفغانيا في خوست (فضلاً عن غيرهم) أو تأديب قاتليهم الامريكيين. وإذا كان الأفغان الأربعون أبرياء جرى قتلهم «خطأ» حتى باقرار الادارة الامريكية نفسها فإن براءة الصحفي دانييل بيرل موضع اشتباه، فالعالم لا يسمع حتى الآن بشأن الحادثة إلا رواية من جانب واحد ـ الجانب الأمريكي. فلم نسمع بعد الرواية الكاملة التي لدى الطرف الآخر. لكننا نستذكر ان هناك اشارة نقلت عن الجماعة التي اختطفت الصحفي وأذيعت فور اختفائه. وقد ورد في تلك الاشارة المقتضبة ادعاء بأنه «جاسوس». ربما يثبت ذلك وربما لا يثبت.. لكن الثابت ان دانييل بيرل اسرائيلي نشأ وتربى في اسرائيل من أبوين يهوديين. وربما لهذا السبب تريد السفيرة الامريكية التعجيل بنقل القضية الى الولايات المتحدة، فبقاء القضية في أيدي السلطات الأمنية الباكستانية ربما يفضح أمراً ما. ولكن من يهتم بأمر الضحايا الأفغان الأبرياء؟!