ان الحرب التي يقودها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين هي حرب عسكرية حقيقية بالمنظور العالمي ضد شعب اعزل مما يدفعها لتكون حرب ابادة فشارون يستخدم فيها كل امكانياته العسكرية، العالية المستوى وهذه الامكانيات ليست عالية المستوى على صعيد المحيط العربي فقط بل على الصعيد الاقليمي وحتى القاري، ومع ذلك فالحالة التي تمر بها الانتفاضة تعتبر من المراحل التي تتميز بخصوصية ذات ابعاد ودلالات تختلف بشكل عام عن المراحل السابقة التي مر فيه الصراع العربي الصهيوني من عدة جوانب يبرز اهمها على الساحة الميدانية للانتفاضة استطاعتها على الاستمرار رغم كل محاولات الاجهاض الكثيرة التي صوبت حرابها نحوها ومن اتجاهات مختلفة لا ننكر ان هناك بعض الدعوات القريبة كانت بريئة وهي التي اتت من بعض القوى او القطاعات الشعبية في الوطن العربي ولكن هذه الاصوات اختفت سريعاً لأن حجتها الرئيسية كانت حول قدرة الاستمرار امام القوة العسكرية الاسرائيلية وامام مشهد التدمير الذي يقوده شارون في الاراضي الفلسطينية او امام مشهد الشهادة اليومية للانسان الفلسطيني الذي اثبت صموداً فريداً امام آلة الحرب المتطورة. ان استمرار الانتفاضة في هذه المرحلة بالذات فيها الكثير من المعطيات الواقعة لقدرتها على المواجهة خاصة بعد ان اتى رئيس الوزراء الصهيوني ارييل شارون المعروف بتاريخه الدموي والذي جاء حاملاً سلم الامن ووعوده الى ناخبيه التي لم يستطع حتى الآن ان يحقق ادنى مستوياتها رغم كل الوسائل العسكرية التي استخدمها ضد الشعب الفلسطيني ورغم كل ما تملك اسرائيل من قوة عسكرية وبالتأكيد فإن الاحداث الاخيرة تضعنا امام تساؤلات متعددة تتعلق اولاً بمشروع شارون العسكري الذي لا يوجه فقط ضد الفلسطينيين وحدهم بل ابرزت الاحداث المتلاحقة ان هذا المشروع موجه ضد العرب اولاً وضد كل من يساندهم ثانياً وبالطبع بمباركة امريكية ليست الاولى لكنها الاغرب في هذه المرحلة خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر التي كان من المفترض ان تبرز ملامح جديدة للسياسة الامريكية من جهة وللسياسة الاسرائيلية من جهة ثانية وهي السياسة التي عانت من شارون حتى على مستوى الداخل الصهيوني مما دفع الانتفاضة ايضاً لتغيير استراتيجيتها والوصول الى مستويات جديدة في طريقة تعبيرها النضالي. ولعل واقع الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على الفلسطينيين تقول: لم يبق الا ان يستخدم شارون الاسلحة النووية ضد الشعب الفلسطيني بعد ان اعلن حرباً حقيقية مستخدماً احدث انواع الاسلحة الميدانية ارضاً وبحراً وجواً ويبدو ان الانتفاضة تواجه على الساحة الميدانية ليس السلاح الاسرائيلي وحده بل احدث الاسلحة الامريكية المتطورة وعلى رأسها طائرات (16ئ) التي مازالت تعتبر من الاسلحة الجوية الاقوى في العالم، وامام هذا التوصيف العام تتداخل الوقائع الحالية للانتفاضة وتبرز على أرض الواقع معطيات جديدة فيما يتعلق باستراتيجية الكفاح الفلسطيني حيث نلمس من البداية قراراً جماهيرياً بالاستمرار في النضال لتحقيق الغاية التي انطلقت من أجلها هذه الثورة الملتهبة والمحددة باستعادة الحقوق الفلسطينية التي لم تسطع كل الاتفاقات ان تحقق أدنى مستوياتها، ولعل هذه الظاهرة وبشكلها الأولي تؤسس لمرحلة مهمة من النضال الذي يمكن التطلع إليه على انه جدلية للاستمرار الحقيقي على أرض الواقع خاصة ان تشكيلات الانتفاضة السياسية والعسكرية استطاعت ان تغير في بنيتها الاستراتيجية وتتماشى مع الظروف التي مرت بها منذ انطلاقتها وعلى مجموعة من المستويات يمكن ان نحدد أهمها: أولاً: فيما يتعلق بالمكان فالانتفاضة الحالية تنطلق من واقع جيوسياسي يختلف عن الواقع الذي مرت به الانتفاضة السابقة وهذا الواقع يتشكل من خلال المناطق التي استعادتها السلطة الفلسطينية من خلال أوسلو ومن ضمنها المنطقة «أ» التي تسيطر عليها سلطة فلسطينية معترف بها دولياً وشعبياً مما أوجد حالة من شبه الدولة التي تدافع عن حقوقها بالاستقلال رغم عدم اعلانها بشكل رسمي. ثانيا: ان وجود سلطة ومجلس تشريعي أعطى للانتفاضة نمطاً مختلفاً رغم بعض السلبيات التي ظهرت أحياناً على السطح وتداخلت مع طريقة عمل الانتفاضة ولكنها في النهاية شكلت النمط الجديد لاستراتيجية المقاومة وطبيعتها. ثالثاً: برزت سلطة الجماهير في الانتفاضة بوصفها الطبيعة المنظمة لحركتها رغم وجود عدة تيارات فلسطينية قد تختلف في الرؤية والبنية إلا ان ما يمكن ان نلحظه هو الاجماع الجماهيري سواء المنظم أو غير المنظم الذي وضع أساسا لتحركه ألا وهو الاستمرار حتى تحقيق الاهداف المرسومة وهذا ما شكل وحدة وطنية ظن البعض انها ستنهار عند أول اختلاف بين القيادات ولكنها مع كل ذلك استطاعت ان تثبت تلاحماً فريداً يعتبر الأقوى منذ فجر الثورة الفلسطينية التي طالما عانت عبر تاريخها من انقسامات وانشقاقات وحتى تناحراً في بعض المراحل الحساسة علما ان الانتفاضة كان من الممكن ان تمر بتجربة قاسية مازالت تسعى إليها اسرائيل وهي ضرب الوحدة الوطنية. رابعاً: رأينا ان الانتفاضة تمتلك بمعظم قطاعاتها جناحين الأول سياسي والثاني عسكري وبالتأكيد فقد أثبت هذا التنوع أو لنقل الفصل ارتباطاً وثيقاً بالأجواء السياسية العامة التي تحددها مراحل الانتفاضة وطبيعة كل مرحلة ولنتذكر مثلاً انه حين أعلن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وقف إطلاق النار استجابت له بشكل ما التنظيمات الفلسطينية ولم تعد إلى العمل العسكري إلا بعد ان تابع شارون مسلسل الاغتيالات التي طالت كوادر حركات المقامة وبالمقابل فإن الأجنحة العسكرية لم تتوقف رغم كل العمليات الاجرامية التي مارسها شارون ومع كل اشكال الحصار والقصف اليومي والتجويع التي عاشها الشعب الفلسطيني بل على العكس تماماً فإن العمليات الفدائية تزايدت بشكل ملحوظ أمام الضغط العسكري الاسرائيلي وهذا ما لاحظناه في الآونة الأخيرة. خامساً: تغير الطبيعة التكتيكية للأجنحة العسكرية التي تتماشى مع طبيعة المرحلة السياسية الخارجية فقد تقلصت العمليات العسكرية بشكل كبير بعد تداعيات الحادي عشر من سبتمبر نتيجة للحالة السياسية العالمية ولكنها عادت عندما شعر الفلسطينيون ان هذه الأحداث قد أثرت عليهم بشكل سلبي بعد ان توقعوا تغيرات في المواقف الأمريكية ولكن رياح التغير أتت ضد الفلسطينيين وضد العرب وما أظهره الموقف الامريكي من انحياز واضح لاسرائيل أشعل جذوة الانتفاضة من جديد وتأكد الفلسطينيون من المثل القائل «لن يحك جلدك مثل ظفرك». سادسا: تغير استراتيجي في طبيعة العمليات العسكرية التي تقوم بها الاجنحة المسلحة للانتفاضة خاصة بعد اثارة الجدل حول اشكالية العمليات الاستشهادية فكانت استجابة التنظيمات الفلسطينية واضحة وحصل تغيير نوعي في الطبيعة العسكرية لهذه العمليات حيث انتقلت الى توجيه ضرباتها ضد المستوطنين وجنود الاحتلال رغم قناعة البعض ان أي اسرائيلي يعتبر في جيش الاحتلال، وكانت نتائج العمليات ضد المستوطنين والجنود نتائج كبيرة وناجحة منها على سبيل المثال تدمير دبابة «ميركافا» التي تعتبر من أقوى الدبابات تحصينا في العالم وكذلك العمليات على المواقع والحواجز العسكرية التي أثبتت فشل السياسة الامنية التي يقودها شارون. إن هذه التغيرات الجوهرية في استراتيجية الانتفاضة قد وضحت الطريق أمام الكثيرين من الداعين لتوقفها كي يراجعوا أنفسهم رغم اننا لا ننكر الخسائر البشرية الكبيرة في الجانب الفلسطيني المتمثلة في أعداد الشهداء الذين أعطوا الدافع الأقوى للاستمرار واذا كان السؤال المطروح الى متى ستبقى الانتفاضة الفلسطينية مستمرة والفلسطينيون يعانون من الحصار والقمع والجوع فإن الاجابة تأخذ طريقها من مستويين الأول مستوى الدعم الذي تتلقاه الانتفاضة من الدول العربية تحديدا لأنها المعنية بالصراع العربي الصهيوني ولأن الانتفاضة اذا ما كتب لها النصر فلن يكون للفلسطينيين وحدهم بل العرب جميعهم، وعلى عاتقهم اذن دعم الانتفاضة بكل الوسائل المتاحة المادية والمعنوية والإعلامية وهي حالات ثلاث مرتبطة فيما بينها وقد بدت في الفترة الأخيرة غير مقنعة على المستوى العربي الذي لايزال مشغولا بالحرب الأمريكية في افغانستان وعلى المستويات الثلاث السابقة، والأكثر من ذلك ان بعض العرب بدأوا يدعون بشكل واضح وعلني الى توقف الانتفاضة متعاطفين مع الفلسطينيين الذين يعانون!! ولكن لم يخطر ببال أولئك ان أهل الانتفاضة والذين يعانون حقا لم يدعوا الى توقفها بل هم المستمرون بها ولا أحد يجبرهم على الاستمرار سوى معاناتهم من الاحتلال لأن الانسان بطبيعته لا يمكن ان يقدم التضحيات الا في سبيل هدف نبيل ومقتنع به في الأساس. وفي مستوى آخر هناك من يقول ان قوة الاحتلال التي عجز عنها العرب عمليا لا يمكن ان تتراجع مهما بلغت التضحيات، والواقع ان كل الشعوب التي تحررت قدمت التضحيات أمام الأقوى الذي تراجع سريعا والمثال القريب جغرافياً هو انتصار المقاومة في الجنوب اللبناني وعلى الاحتلال الاسرائيلي ذاته وللموضوعية إذن أعداد القتلى الاسرائيليين خلال عمر الانتفاضة قد تجاوزوا 270 قتيلا وهذا ما تعترف به اسرائيل ويعتبر الرقم الصعب برؤية الكيان الصهيوني. ان التاريخ قدم أمثلة كثيرة على طريق تحرر الشعوب من الأقوى عسكريا ولنتذكر فقط المليون شهيد الذين قدمتهم الجزائر لنيل استقلالها ولذلك فإن استمرارية الانتفاضة في هذه المرحلة بالذات سيقدم بالتأكيد النصر للفلسطينيين خاصة اذا نظرنا الى التأثير المباشر على الكيان الصهيوني بمجموعة بنائه الداخلية والخارجية. وكنتيجة واضحة للانتفاضة يمكن استخلاصها من خلال الفوضى غير المسبوقة التي يعيشها الكيان الصهيوني وعلى كافة مستوياته وتبرز على السطح حالة التفكك الحكومي لهذا الكيان وهي حالة تعكس الاضطراب الشديد في البنية الاسرائيلية التي كان يعتقد بأنها تشكل قوة متراصة في جميع احزابها وان تناحرت هذه الاحزاب في الفترات الانتخابية ولكن قوة فعل الانتفاضة غيرت حتى الميزان الداخلي للكيان الصهيوني وميزان شارون الامني الذي وعد به، وبالمقابل فإن شارون نفسه لايزال يعيش فقدانا تاما لأي مشروع أمني، فهو لا يمتلك أي مشروع سياسي واجمالا المشاريع الصهيونية كانت وعلى مدار سنوات الصراع العربي الاسرائيلي ترتبط بالتطرف والعنصرية والدموية التي كان من نتائجها أكثر من اربعمئة مجزرة قام بها الاحتلال هذا اذا استثنينا المجازر اليومية التي ترتكب بحق الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة، ولكن مشروع شارون الوحيد الذي أتى به الى السلطة، وهو مشروعه الأمني فقد أثبت فشله المطلق بشكل لا يقبل الشك والاحداث الحالية للانتفاضة تثبت ذلك، فهي قد استطاعت من خلال أجنحتها العسكرية ان تخترق الحواجز والتحصينات وتضرب في العمق العسكري والاستيطاني ومن خلال العمليات النوعية التي قام بها المناضلون الفلسطينيون وضعت الخيار العسكري الشاروني أمام مجموعة من التحديات الداخلية حيث بدأت ومن الداخل الصهيوني نفسه ترتفع الاصوات معلنة انتهاء شارون وحكومته التي يدعوها بحكومة الوحدة، وهذه الاصوات لم تأت أولا من فراغ، بل من خلال قوة تأثير الانتفاضة وفشل المشروع الشاروني العسكري في قمعها والحالة الأمنية التي يعيشها الاحتلال أدت الى انعكاسات وانتكاسات في الحكومة الاسرائيلية والشارع معاً، ولعل ما ظهر أخيرا من ردات فعل واضحة كانت الصورة الأكثر وضوحا لهذه الانتكاسة، فعلى المستوى العسكري لاحظنا مجموعة الجنود والضباط الذين رفضوا الخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعلى المستوى الاقتصادي لاحظنا التدهور الشديد في البنية الاقتصادية للكيان الصهيوني وعلى المستوى السياسي لاحظنا الصراع المحتدم بين الاحزاب وهو الصراع الأقوى في تاريخ كيان الاحتلال مما دفع البروفيسور الاسرائيلي ارنون سوفير رئيس المركز الجيوستراتيجي الى القول: «اذا استمر الوضع السياسي والسلوكي الراهن في اسرائيل على وتيرته الحالية فإنه يتبقى لنا فقط خمس عشرة سنة حتى نشهد خراب الدولة» وللمعلوم فإن هذا البروفيسور صهيوني متطرف وهو لا يعتقد بامكانية الحل السلمي. إذن الحالة التي يمر بها الكيان الصهيوني تعتبر من الحالات الطارئة التي مرت عليه وكل ذلك نتيجة مباشرة لفعل الانتفاضة وبهذا فإن الانتفاضة بذاتها ترد على دعوات اجهاضها بل واقع الأمر يقول ان ما استطاعت فعله الانتفاضة ضمن ظروفها الموضوعية لن تستطيع فعله أي قوة أخرى أو بديل آخر سواء أكان هذا البديل جماهيريا أو سياسيا. ـ كاتب فلسطيني