بعد عدة أيام من كارثة قطار الموت الذي أودى بحياة ما يقارب الـ (400) شخص في مصر، كتبت الصحف وعلى صدر صفحاتها الأولى: (كارثة قطار الموت: الاهمال هو السبب) فإذا بالرد على (مانشيت) الصحف يؤكده الواقع فتنهار بناية على من فيها ويقتل 20 شخصاً على الأقل، والاهمال كان موجوداً قبل كارثة القطار وسيظل موجوداً بعد انهيار البناية، ليس في مصر فقط وانما في كل العام الثالث! الإهمال هو الاسم المخفف واللطيف جداً الذي تستخدمه الصحافة العربية الرسمية عندما نتحدث عن نتائج فساد الادارات الحكومية، خاصة حينما تصب النتائج مآسيها على رؤوس افراد المجتمع، والصحيح ان الذي يحدث جرائم قتل متعمدة، طالما ان مواصفات البناء الذي انهار على رؤوس الناس والتي اعتمدت من قبل جهات حكومية رسمية، غير مطابقة للمواصفات السليمة، واذن فهي تحمل بذور الموت في كل خطوة من خطوات البناء وبعلم الجهات الرسمية، تماماً كما حمل القطار وصفة الموت المثالية لما يقارب الاربعمئة راكب عندما انعدمت وسائل الأمان فيه! في مقال له في صحيفة «القدس العربي» تساءل (خالد الشامي) بصريح العبارة (هل تكفي التضحية برأسي وزير النقل، ورئيس هيئة السكك الحديد لاحتواء كارثة قطار الموت التي حولت عيد المصريين الى جنازة كبيرة؟) وفي مقالات كثيرة تساءلنا متى سيتعامل مسئولونا مع اخطائهم الكارثية بذات الطريقة التي يتعامل بها الغربيون واليابانيون مع اخطاء مسئوليهم؟ فنحن نسمع عن الاخطاء، ونتابعها ونقرأ عنها في الصحف، فنتعجب ونغضب، ويثور الرأي العام كله، وتنهال الصحافة كتابة وهجوماً، ثم تهدأ الزوبعة فإذا بها زوبعة فنجان لا أكثر، حيث تعود الامور كما كانت، ويبقى المسئول متربعاً على كرسيه، هذا ان لم يكرم بجائزة او بتمديد مدة بقائه للأبد! الاهمال المتعمد الذي يقود الى هلاك افراد في المجتمع بلا ذنب، هو جريمة مكتملة الاركان، فحينما لا يوجد جهاز انذار واحد في القطار، وحينما ينفي المسئولون بكل بساطة قبل التحقيقات وبيان النتائج براءة فلان وسلامة نية علان، فإن الأمر يتعدى الاهمال، انه فقدان مصداقية الحكومة نفسها، وهذا ما حدث بالفعل حيث اظهرت تحقيقات الكارثة المصرية ان الكارثة ناتجة بالفعل عن اهمال ادارة السكك الحديد وتهاونها في حق ركاب الدرجتين الثانية والثالثة. الاهمال هو شكل آخر للفساد الحكومي الذي تعاني منه ادارات العالم العربي والثاني والثالث تحديداً، والسبب انعدام المساءلة وانعدام العقاب، وسيطرة العقليات المتخلفة ذات التفكير الشمولي والمتشبثة بالكرسي وليس بأي شيء آخر، حيث الكرسي هو المهم، وما عداه الى الجحيم، حتى وان كان الوطن نفسه وابناؤه الذين لأجلهم وضع هؤلاء على الكراسي! هناك فساد يتستر افراده بعضهم على بعض في العديد من المؤسسات واخباره بدأت تظهر ووثائقه بدأت تتطاير هنا وهناك فالناس ملت وتعبت، ولم تعد تحتمل، واما الصمت الذي يبدو على وجوه الكثيرين في بعض المؤسسات من المغلوبين على أمرهم من الموظفين والمراجعين، فإنه الصمت الذي يشبه هدوء ما قبل العاصفة! قد نبرر لموظف صغير انحرافه لانه محتاج أو انه رب أسرة كبيرة وراتبه لا يكفيه او.. او...، لكن كيف نبرر انحراف الكبار جداً؟ هل هو الاعتياد، أم المرض، أم الاحساس بالأمان لأنهم مسئولون كبار فوق الشبهات والمحاسبة؟ نظن بأنه لا احد فوق المساءلة، وطريق القضاء على الفساد يبدأ برجل ثم تكر المسبحة، هذه هي سنة الحياة في مناخ العالم الثالث.