الأسئلة كثيرة ومثيرة، لكن الأكثر إثارة ان الاجابات عنها شحيحة وما يتاح من اجابة حتى الآن لا يعبر عن الحقيقة، نعني الحقيقة الكاملة التي لا تسمح بتأويلات او اجتهادات وما أكثرها في ظروف يحيط بها الغموض وتتناثر حولها الأقاويل والهمسات. ان كل هذه المقدمة الطويلة هي محاولة منا للاعراب عن دهشتنا، ولن نقول استنكارنا لما يحدث هناك خلف القضبان حيث يقبع عشرات من السجناء ممن يمضون فترات عقوبة حكم بها عليهم أهل القضاء دون ظلم منهم لأي منهم أو افتراء. ومع صدور حكم القضاء بالادانة والعقوبة فإن المتهم يتحول من انسان عادي ـ حر وطليق ـ الى سجين مقيد بالأصفاد يعيش خلف الأسوار التي تحجبه عن المجتمع الذي أساء إليه بجريمته وتجاوزه لقوانينه فكان السجن مصيره والعقوبة السالبة للحرية جزاءه. لكن السجين، ومهما كانت جريمته او جنايته، هو في النهاية إنسان له حقوق واعتبار لا دخل فيهما لما ارتكبه لأن تقييد الحرية والعزلة عن المجتمع هما اجراء وقاية للآخرين وقصاص عادل من المذنبين والمجرمين. واذا لم نعترف بذلك، وهو ما تعترف به كل الشرائع والأنظمة في مشارق الأرض ومغاربها، فإن ذلك قد يصل بنا الى مواقف صعبة يصبح معها اطلاق الرصاص على أي مذنب هو الوسيلة الوحيدة للخلاص من كل من اجرموا عن عمد أو بغير قصد، وهنا تنتفي صفة البشرية والانسانية لتحل محلها لغة الانتقام، وهو ما تنأى عنه النفس البشرية ولا تلجأ إليه الا في حالة القصاص العادل وهي حالة تحكمها شريعتنا الاسلامية وتضع لها شروطاً وقواعد لا يمكن تجاوزها. من هنا تصيبنا الدهشة ونحن نستمع الى استغاثة آتية إلينا من وراء القضبان يقول اصحابها وعددهم وفقاً للبلاغ الهاتفي 267 سجيناً، 75 منهم مصابون بإصابات مختلفة محاصرون داخل الزنزانة بقوات تحاول جاهدة ان تخرجهم من ذلك المكان الذي تحصنوا فيه خوفاً من عمليات انتقام يمكن ان يتعرضوا لها اذا انهوا اعتصامهم الذي لجأوا إليه. وتأتي حكاية «اعتصام سجناء» كحادث غريب يحتاج الى توضيح وتفسير لأسبابه ودوافعه من كافة الجهات المعنية ذوات الصلة حتى لا نعطي الفرصة للغرباء الذين تلقوا بلاغاً بذلك في نفس الوقت الذي تلقينا نحن فيه الاستغاثة. ومن الضروري ان نؤكد ان ما حدث وراءه ما وراءه، لأنه لا يمكن ان يحدث هكذا دون وجود مبررات قوية وسلوكيات مسبقة دفعت السجناء، ورغم السجن وعذاب القيد، الى القيام بما قاموا به.. ولأننا لا نريد ان نوجه الاتهام الى أحد، ولا نعرف من المسئول بالفعل عما حدث فإننا نتوقع ان تكون وراء هذه الحادثة تصرفات غير مبررة وغير قانونية تمت بشكل او بآخر كي تخترق الأنظمة التي تحكم سجوننا فأدت بالتالي الى تراكمات أوغرت النفوس. فكانت الواقعة التي لو نظرنا إليها بعمق لأدركنا ان هناك خللاً، لكن أين هو؟! هذا ما ننتظر الاجابة عنه من ادارة سجن دبي قبل ان تتكرر الحوادث فيه خاصة وان الحادثة التي وقعت أمس ليست الأولى ولن تكون الاخيرة اذا غابت الحقيقة وتأخر الاصلاح، وترك السجناء في اعتصامهم وقطع الماء والتكييف عن زنزانتهم ومنع ذويهم من زيارتهم التي لا شك ينتظرون موعدها بفارغ الصبر بالطبع ليس الحل المناسب لمواجهة الموقف أو انفراجاً للأزمة.