ساهمت التكنولوجيا المتقدمة خلال السنوات العشر الماضية في تحديد طرق وآليات التفكير لدى الأفراد، وكشفت بعضاً من ميولهم الفنية أو معتقداتهم الضمنية. وكان الهاتف النقال أكثر الطرق تعبيراً عن تلك النماذج، حيث بات واضحاً أن الأشخاص الذين يستخدمون نغمات راقصة بدلاً من الرنين العادي في هواتفهم النقالة لديهم ميول نحو الحياة الصاخبة سريعة الايقاع، وهؤلاء يمكن تصنيفهم في فئة السائقين الذين يقودون سياراتهم بسرعة على كافة الطرقات ويسوطون السيارات التي أمامهم بأضوائهم الباهرة او يستخدمون الأبواق العالية ويفتحون نوافذ سياراتهم ليخرج منها صوت المطرب عادل طفاشة صاحب أغنية «بتونّس بيك وانت وراي». ولكنهم لا يتفقون في شئون شاشة الهاتف النقال مع آخرين لانهم يفضلون ان يضعوا على تلك الشاشات صورة لشخص مفتول العضلات او لامرأة ذات ثياب فاضحة او صورة لممثلهم المفضل وذلك ما يعكس فعلاً طريقة عيشهم وأسلوب حياتهم، في حين نجد فئة اخرى تضع على شاشة الهاتف النقال عبارات تدل على حالتهم النفسية، ومثال ذلك أحد العشاق الذي كتب الأحرف الأولى من اسمه واسم حبيبته داخل قلب يخترقه سهم كيوبيد، بينما جاءت عبارة «بلدي الجريح» على هاتف شخص ثالث لتدل على شدة انتمائه لوطن تمزقه حراب الاحتلال ويعيث به الصهاينة قتلاً وتدميراً، وهو لا يشبه في حال من الأحوال ذلك الرسم الذي وضعه زميل له ويمثل سيارة رياضية وهي ملخص حلمه في الحياة الاستعراضية. الا ان ذلك التقدم التقني لم يطور طريقة الناس في التعبير عن حالتهم او وضعهم نفسياً واجتماعياً، فقد كانت اكثر الفئات تعبيراً وكتابة هي فئة سائقي السيارات العامة (التاكسي او الميكروباص) حيث باتت عبارات من شاكلة: لا تلحقني مخطوبة، أو ميلي على ميالك ابو عبدو خيالك، أو العين صابتني والرب نجاني، او لا تسرع يا بابا نحن بانتظارك، أو العين بصيرة واليد قصيرة، أو لا تكن للعيش مجروح الفؤاد انما الرزق على رب العباد. ومعظم تلك العبارات فيها اختصار لشأن اجتماعي أو نفسي او طبقي، حيث تحيل العبارة قارئها الى تحليل سريع لوضعية صاحب المركبة او حامل الهاتف النقال وربما صاحب قارب صغير جار عليه الزمان فأسمى قاربه مظلومة، أو توبة، أو ع الله تعود. لكن ما من شيء من تلك العبارات ترك صدى داخلياً أكثر من الجملة التي ثبتها شاب في مقتبل العمر على هاتفه بعدما استقر به الحال في دبي ليعمل نادلاً وتقول «40 درهم يوميتي» وفيها اختصار لمجمل حلمه وحياته وشكواه وطموحه وسعادته الى درجة انه جعل «40 درهم يوميتي» مفتاحاً ليتذكر من خلاله قسوة حياته وانتمائه الطبقي دون ان يعلن ذلك في حديث او حوار بل كان كافياً ان يثبت تلك الجملة على هاتف خاض حرباً طويلة قبل ان يصل الى يد ذلك العامل المسكين بعد ان اهترأت مفاتيح الأرقام وشج شرخ طويل زجاج الشاشة فأصبح حالها مناسباً لحال «40 درهم يوميتي»، وكان كافياً ان تسأله ماذا تعمل فيقدم لك هاتفه النقال لتقرأ العبارة بدلاً من الاجابة على السؤال. ثم سيضحك كثيراً لأنك دهشت.. ويعقب على دهشتك: هذه كانت يوميتي حتى أمس فقط. لأنها اليوم صفر، نعم صفر لقد طردوني من المطعم. التكنولوجيا تفضح مشاعر الانسان أحياناً وكلما أوغلت قدماً في التطور كلما أصبحت حياة الانسان قاسية لا مجال فيها لرأفة أو رحمة، وما نعيشه اليوم من لهاث مادي خير دليل على افتقاد الانسنة وغياب العدالة الاجتماعية أو انقراضها بين الناس.