قبل أشهر شاهدت في سوق الفاكهة والخضار بالحمرية عنبا ورمانا من اليمن. وجدته في مرة يتيمة وبحثت عنه طوال الصيف وأول الشتاء ولم أجد له أثراً في هذا السوق العالمي، الذي يتجدد كل يوم بل عدة مرات في اليوم الواحد. وكنت احسب ان احلى رمان يمكن ان يؤكل هو ذلك الآتي من اسبانيا وبلاد المغرب، حتى جربت رمان اليمن، وذقت أنواع وأشكال العنب، لكن عنب اليمن له نكهة مختلفة. في العسل كذلك خدعت بالمغشوش اللامع والصافي مراراً، وتمرست في أنواعه بحكم التجريب والتنويع والتعلم، ووجدت في مشورة الخبراء والناصحين ان عسل «جردان»، ذلك الذي يأتي به شيخ يمني مرة واحدة في العام هو المميز والأصلي في سوق العسل المخلوط، وفي زمن يكثر فيه الغش والتدليس في كل شيء. هذا الشيخ عندما يأتي هنا يحمل مع عسله اليمني، أنواعاً من «الزبيب» واللوز الصغير والمغبر. اسعاره مرتفعة مقارنة بحال سوق اليمن الفقير، لكن الأصلي صعب الوصول اليه، يبقى غالياً، يحتفظ بندرته ونكهته، لا تفقد معه نقودك مهما علا سعره، انما تشعر بالحاجة له وتستمر في البحث عنه، لو جربت لوز اليمن وزبيبه وعسله وحبات قهوته لأدمنت مثل أهل هذا البلد لكن على طيباته والبحث عن خيراته. هذا عن نباته وأرزاقه وماذا عن فنونه وثقافته، ان فعل الانسان وابداعه أشد تأثيراً، انه يضرب على اوتار القلب وذاكرة الزمن، فالثقافة عندما تنتشر وتتسع حركتها في الزمان والمكان فإنها تحمل حضارة البلد وتولد ابداعات منسجمة وحاملة لهويتها، تتحول الى حضارة دائمة ملهمة، لا تزول مفرداتها حتى لو غاب ظاهرها، في ظاهرة تحولات الزمن وصرعات تغير الأذواق والمفاهيم. اليمن كان كذلك، في الماضي الموغل في القدم والأساطير، هو التاريخ والحضارات، هو النسب والأصل والثقافة، ذكره في الأديان وكتب التاريخ ومسيرته، ومحفور في وديانه وجباله وعمرانه. في الحاضر فإن الثقافة اليمنية غنية ومنتشرة ومتواصلة ومؤثرة، ففي السنوات الماضية عندما كان الغناء والشعر هما اقوى واشهر عامل ثقافي يمكن ان يصل الى المجتمعات ويؤثر بها، كان الفن الصنعاني والحضرمي والأصوات اليمنية عبارة عن قامات ومدارس ونجوم. كانوا هم أهل الابداع والصرعات سواء في التجديد او عند تقديمهم للتراث اليمني القديم، كان فيها اشهر اسم عرفه تاريخ الغناء في حاضر الجزيرة العربية، تمنى كل فنان عريق او مبتدئ ان يغني له، كان حسين المحضار اذا ارسل او لحن بيتا من الشعر وهو هناك في «الشحر» النائية والبعيدة عن الحضارة وتكنولوجيا الاعلام والاعلان، وصل همسه الابداعي بسرعة البرق اليماني وغنت تلفزيونات واذاعات وأصوات الخليج هذا البيت الشعري وحفظته قلوب الناس واذكر قبل سنوات عندما نوت اللجنة الثقافية بنادي الشعب استضافة المحضار في الامارات، تعبت كثيراً حتى حصلت على عنوانه، وضاعت رسالة الدعوة في الطريق اكثر من مرة، حتى حصلت صدفة على أحد أقاربه وأوصلت رغبتهم في استضافته قبل دعوتهم وجاء بسرعة وسهولة ومن غير شروط وكانت مفاجأة ان يصلوا له ويأتي هكذا من غير مطالب، وعندما وصل الى الشارقة كان اكثر بساطة وتواضعا، تحمل الارهاق والمشقة ورفض ان يغلق عليه باب غرفته في الفندق، فكانت غرفته من غير باب في المساء والصباح، وكثيراً ما نام خارجها عند الاصحاب، وفي كل الأيام التي جلس فيها ضيفا كانت حشود الزوار تجلس على سريره وفي ممرات الطابق الذي تقع فيه غرفته، وفي بهو الفندق، حتى اشتكت ادارة الفندق من هؤلاء الضيوف الذين لا ينقطعون ولا يطلبون سوى غرفة المحضار وعندما جاءت ليلة الأمسية والتي اقامها النادي على مسرح المركز الثقافي، كانت القاعة وعلى غير العادة مغلقة أبوابها قبل موعد الأمسية وكان هناك من يقف خارج المركز يبحث عن مكان كان العدد مكتملاً بل وفائضاً وهي حالة لم يشهدها المكان الا في حالات معدودة ومع شخصيات ومناسبات مهمة. في تلك الليلة عندما أرسل حسين المحضار صوته الى أناسه المعجبين والذين كانوا من أهل اليمن ومن مختلف الجنسيات العربية، كان الحضور العاشق يردد كلمات القصائد قبل ان ينتهي الشاعر من انشاده، يحفظها مع لحنها عن ظهر قلب، وفرضوا عليه تلك الليلة ان يغني رغم ان الليل انتصف وان الموعد المحدد انتهى وجدد اكثر من مرة، حتى قرأ لهم كل جديده وقديمه وشعروا ان صوته انتهى، فتبعوه الى المجمع الثقافي بأبوظبي في اليوم التالي، وطلبوا الفنان أبو بكر سالم ليشارك رفيق الرحلة والعمر سهرة الشعر والغناء والفن الحضرمي. وهكذا كان الحال متشابهاً عندما جاء الشاعر البردوني فائزاً ومكرماً بجائزة سلطان العويس الثقافية، ما كنت لتجد مكاناً في القاعة التي أحيا فيها أمسيته، وكانت من ليالي دبي المميزة، هل كانت تلك السنوات، سنوات ثقافة واهتمام ليكون ذلك الحضور والانجذاب والذي انعدم اليوم؟، قد تكون هناك مسببات عديدة، لكن مثل تلك القامات لو حضرت في أي زمان ومكان ستكون مميزة، ولن يضعف حضورها واقبال الناس على الجلوس لها. عندما غاب حسين المحضار وعبدالله البردوني وقبلهما الزبيدي رحمهم الله، وتقطع صوت أبو بكر سالم ومحمد مرشد ناجي، وتغيرت رغبات الناس ورياح الثقافة ـ في منطقة الخليج تحديداً ـ نحو فنون ومجالات اخرى من العلوم والآداب والمعارف، كانت هناك شخصيات يمنية لها حضورها وبصمتها ايضاً في الفكر والعمل السياسي والتعليم، والعلوم الاجتماعية وقضايا الأدب والكتابة الصحفية، كنا نزداد ثقافة ونحن نقرأ ونتابع موضوعات وحوارات وندوات الدكتور عبدالعزيز المقالح والدكتور محمد عبدالملك المتوكل وجار الله عمر، ونقرأ سيرة سياسي مخضرم مثل محسن العيني «خمسون عاماً في الرمال المتحركة» التي دونها بأسلوب أدبي شيق، هذه المجهودات والمشاركات لمثل هذه الأسماء المهمة والكبيرة في اليمن والتي كنت تجدها منتشرة ومتواصلة في معظم واشهر الصحف الخليجية والعربية، تكاد تجدها معدومة في السنوات الاخيرة فما عادت ثابتة كل يوم كما كان يكتب عبدالكريم الرازحي زاويته الساخرة، ولا حتى مساهمات اسبوعية منتظمة، اصبحت مشاركات متقطعة وعلى فترات بعيدة يصعب ان نقول عن هؤلاء ان معينهم نضب، فالذي اعطى كل هذا العمر وكل هذا الابداع لا ينضب ابداً بل يزيد ويزداد في التميز والعطاء، لكن يبدو انها تعبت واحبطت، ويبدو ان الاعلام الخليجي والعربي تغير عليها. ان في الامر اشكالية تحتاج الى بحث ومعالجة. الأشد مرارة انه لا يوجد جيل ممتد آخر يحاول ان يغذي ويثري ويضيف ويكمل المسيرة، وهذه ليست مشكلة اليمن وحده انما كل الوطن العربي، فأين هو الصف الثاني في الأدب والثقافة والعلوم والاقتصاد والسياسة..؟!