مع اعلان مبادرة السلام السعودية وما خلفت من اصداء تتردد اقليميا وعالميا يدخل الصراع العربي الاسرائيلي ما يمكن ان يطلق عليه المرحلة الثالثة من التسوية السلمية، وما ينبغي الانتباه اليه هو الاستفادة من اخطاء المرحلتين السابقتين بغرض تجنبها. كانت المرحلة الاولى «كامب ديفيد» التي افضت الى معاهدة السلام بين مصر واسرائيل في عام 1979. وكانت المرحلة الثانية «مؤتمر مدريد» الذي قاد الى اتفاق اوسلو في عام 1993 واتفاق وادي عربة في العام الذي تلاه. ومع كثرة القواسم بين المرحلتين إلا ان القاسم المشترك الاعظم هو تميز كل منهما بالانفرادية. فزيارة الرئيس السادات التاريخية الى القدس في عام 1977 خطوة استهلالية فجائية لعملية تصالحية تفاوضية اتسمت بالاحادية الانفرادية من اولها لآخرها، ورغم ان عقد مؤتمر مدريد كان في حد ذاته عملاً جماعياً ذا طابع عالمي إلا انه سرعان ما ثبت انه بنفس القدر كان مجرد خطوة احتفالية تزيح الستار عما تلاه من تفاوض «المسارات» حيث انفردت اسرائيل بكل وفد عربي على حدة. وعن خطأ الاحادية الانفرادية تفرعت اخطاء واخطار لا تقل جسامة، والآن تأتي مرحلة ثالثة لتسوية سلمية وقد لدغنا مرتين من جحر واحد.. فهل نلدغ للمرة الثالثة؟ لقد كان في مقدمة الاخطاء والاخطار المنبثقة عن النهج الاحادي والانفرادي المجاراة العربية للتكتيك الاسرائيلي ـ الامريكي الخبيث في ابعاد العملية التفاوضية تماماً عن اطار الشرعية الدولية وبالتالي انفراد الولايات المتحدة ـ الشريك المصيري للدولة اليهودية ـ بدور «الراعي» أو «الوسيط النزيه المحايد». وهو انفراد تبلور تدريجيا من خدعة ازدواجية محكمة الاخراج، فالعنصر الاول في الخدعة كان تلك الظاهرة العالمية الفارغة التي اطلق عليها مؤتمر مدريد كما اسلفنا، والعنصر الثاني كان تسمية روسيا «راعيا ثانيا» بينما كانت خارجة لتوها من ركام انهيار الاتحاد السوفييتي كدولة من الدرجة الثالثة لا حول لها ولا قوة.. ولا صوت. المطلوب اذن الآن لاغراض المرحلة الثالثة هو أولا تحويل المشروع السعودي الى مشروع عربي جماعي، وثانيا ان يقدم في اطار آلية دولية وبالتالي نسف اسطورة «الراعي الامريكي». ثانيا: ان تحرص المجموعة العربية على عنصر الشفافية اذا وافقت اسرائيل والولايات المتحدة والقوى الدولية الاخرى على حصر العملية التفاوضية في اطار الشرعية الدولية، فلا مفاوضات سرية قد تنتهي الى مفاجأة الشعوب العربية بأوسلو ثانية. ثالثا: ان تسعى المجموعة العربية منذ اول وهلة الى حسم المجادلة الاسرائيلية حول تفسير قرار مجلس الامن الدولي رقم 242، ويذكر ان الصيغة الاصلية للقرار ـ وهي باللغة الانجليزية ـ تسقط «أل» التعريف من النص الخاص بتصفية الاحتلال الاسرائيلي ـ بحيث تتحد العبارة الخاصة بالانسحاب الاسرائيلي عن «اراض» عربية وليس «الاراضي» العربية. وبناء على التفسير الاسرائيلي فإن اسرائيل ليست مطالبة بناء على هذه الصيغة المبهمة بالانسحاب من «كل» الاراضي العربية التي احتلت عام 1967م. واذا كانت المبادرة السعودية تنص على انسحاب اسرائيل «بالكامل» مقابل تطبيع عربي كامل فإن على الطرف العربي ألا يقبل اي مساومة حول هذه النقطة. ولكن ماذا لو اصر الطرف الاسرائيلي على المساومة أو المماطلة؟ هنا نأتي الى اساسيات فن التفاوض فأي طرف يدخل عملية تفاوضية يجب ان يكون في حوزته سلاحان: جزرة وعصا. والمبادرة العربية تعرض على اسرائيل جزرة هي «تطبيع عربي كامل». ولكن اين العصا في حالة رفض اسرائيل العرض المقدم. لا يحتاج العرب ان يتلفتوا فالعصا حاضرة.. وهي المقاومة الفلسطينية المسلحة. واذا اراد الطرف العربي ان يتعامل معه الطرف المناويء بأعلى درجات الجدية فإن الطرف العربي يجب ان يكون على استعداد لدعم المقاومة الفلسطينية المسلحة دعما حقيقيا ـ وان يعلن ذلك. وفي كل الاحوال يجب ان تبقى نار المقاومة متأججة على خلفية العملية التفاوضية دون مهادنة.