أعتبر يوئيل تايتلباوم (1979 ـ 1887)، كبير حاخامات الفرق الحسيدية المسماة «ساتمار» وجماعة نواطير المدينة الأرثوذكسية ،أحد أبرز الأعلام الذين وقفوا بوجه الصهيونية الذي ولد في رومانيا داخل أسرة حاخامات عريقة، وقد تيتّم صغيراً، ورسّم حاخاماً وعمره 17عاماً، وقد أسس مدرسة حاخامية في ساتمار (رومانيا) عام 1906 كان الحاخام تايتلباوم، منذ البداية، عدواً لدوداً للصهيونية، وكان يرى أنها مصدر كل الموبقات والشرور وقد سجن في معسكرات الاعتقال النازية وهرب وأعيد اعتقاله عدة مرات، ونجح في النهاية في الهرب إلى سويسرا ثم إلى فلسطين لفترة قصيرة وفي فلسطين، طالب يهود العالم بإدانة الصهيونية وطرقها المخادعة والدنيئة ودعا إلى التنصل منها تماماً ثم ارتحل إلى الولايات المتحدة حيث استقر فيها حتى وفاته وأسس قرية حسيدية في وليامزبرج وهي ضاحية من ضواحي نيويورك، وأطلق عليها اسم قرية يوئيل لكن ما يشد الانتباه أن الحاخام المذكور، لاقى وفرقته الأمريّن من قبل سلطات نيويورك للحصول على التصريح بإقامة قريتهم تلك حتى نجحوا في ذلك كان يدين الصهيونية في كتاباته دائماً. حذر غير مرة من الحروب العدوانية التي تشنها الدولة الصهيونية وكان لا يعترف بالدولة الصهيونية ويحرض على مقاطعتهاولأنه كان حاخام القدس، فقد كان يزور فلسطين من وقت لآخر ولكنه كان يرفض أن يستقل القطارات التي تحمل رموز الدولة الصهيونية أصدر كتاباً دينياً حول حرب 1967 فأدانها وأنكر أن انتصارات القوات الصهيونية هو من قبيل المعجزات وقاطع حزب أجودات إسرائيل الديني لتخليه عن معارضة الصهيونية ودخوله الحكومة. وعلى الرغم من ذلك دعا حزب العمال البريطاني، مبكراً، إلى إجلاء العرب عن فلسطين ،من أجل إيواء اليهود فيها ،وقد ذهب صاحب بلفور إلى أمريكا ،واتصل بزعماء اليهود ،داعياً إياهم إلى نصرة الصهيونية والالتفاف حول زعمائها ،لدرجة أنه أطلق في خطاب له في واشنطن سنة 1917 قوله المشهور «أنني صهيوني» ومثله كان لويد جورج ،ولوردسيل ،وغيرهم من ساسة بريطانيا ،صهيونيين أكثر من الصهاينة أنفسهم. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الاتجاهات عممت معتقداتها في كل الأماكن التي يتواجد بها البروتستانت ،فقد قام داربي أحد أهم مبشرين الكنيسة البروتستانتية الايرلندي بعدة زيارات طويلة إلى كندا والولايات المتحدة ،وكان له أثره الكبير على جيمس بروكس راعي كنيسة المشيخيتين في سان لويس ،ولاية ميسوري ،الذي أصبح فيما بعد الناصح الأمين لسكوفيلد. ووضع سكوفيلد وداربي النبوءة في مركز مراجعتها للمسيحية وجعلاها قلب نمطها الديني ،ومنذ العام 1875 م تحدث سكوفيلد عن دور النبوءة الرئيسي في سلسلة من المؤتمرات حول الكتاب المقدس والنبوءة وركز فيها على أن خطة الرب الأرضية لإسرائيل وخطة الرب السماوية للمسيحيين المولودين من جديد ،فيما أدخل الحواشي هذه في إنجيل مرجعي وفي عام 1909 م نشر إنجيل سكوفيلد المرجعي الأول ،وسرعان ما أصبح أكثر الأناجيل والحواشي انتشاراً في العالم المسيحي ،إذ بيعت ملايين عديدة من نسخه ،الذي لم يستجب ناشرو إنجيل سكوفيلد المرجعي ،وهم جامعة اكسفورد في نيويورك لطلبات معرفة عدد النسخ المباعة وفي مقدمة لطبعة 1917 م من إنجيله المرجعي أن سكوفيلد لم يجد أي أمل لهذا العالم إذ قال: «لا يمكننا مطلقاً أن نعيش في سلام» وفي إحدى المناسبات ذكر مستمعيه أنه أطلق نفس التحذير عاماً بعد عام: «عالمنا سيؤول إلى الدمار والخراب في الكارثة العالمية النهائية». من نافلة القول، أن الاسترجاعية المسيحية أخذت المنحى الأيديولوجي للدول الاستعمارية وبالتحديد بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ولم تفصل الدين عن الدولة أو السياسة، على خلاف الاتجاه الكاثوليكي الراهن، مما جعل الصهيونية اليهودية الطفل الشرعي للصهيونية المسيحية في انجلترا وأمريكا، ونظرة إلى كرتسوفر هل مؤلف «الإنجيل الإنجليزي وثورة القرن السابع عشر» يظهر ذلك حيث يقول: «ان الأصولية المسيحية كانت تبرر كل الحروب الاستعمارية البريطانية لاحتلال بلدان أخرى، فالإنجليزي كان يحارب ويستولي على العالم لتحقيق كلمة الله، ونشر رسالة دينية، واقامة مملكة الله، أو أورشليمنا الإنجليزية، وليس لنشر الكفر أو العلمانية. أو لفصل الدين عن الدولة ومن المعروف أن الهندي الأحمر يقتل ببساطة متناهية دون رحمة تذكر أو تأنيب ضمير لانه يعتبر «فلسطينياً كنعانياً».. واليوم يقتل الأفغاني والعراقي والفلسطيني وغيرهم من الدول الإسلامية والآسيوية على ذات المبدأ، أي على أساس أنهم من الاغيار وأن قتلهم واجب إلهي. ولا بد من الإشارة إلى أنه بعد انتصار الثورة الأمريكية خاطب جوناثان ترنبل الشعب الأمريكي بكلمات «يهوه » لإسرائيل الواردة في سفر التثنية: «أنت مقدس عند الله لقد اختارك الله لتكون شعباً فوق كل الشعوب». بينما أعترف رجل الدين البروتستانتي الأمريكي، رينهولد نيبور (1892ـ 1971)، أن واقعيته ذات الطبيعة المسيحانية قد غذتها قراءات أقوال الأنبياء العبرانيين، وقال: «لقد عملت كرجل دين مسيحي على تقوية المحتوى العبراني النبوءاتي للمنهج المسيحي». وعبّر نيبور عن مفهومه لليهودية ورفضه الحاسم للنشاط التبشيري المسيحي بين اليهود في الفصل السابع من كتابه أمريكا التقية والعلمانية (1958) وقد دعا منذ عام 1941، لاقامة وطن قومي لليهود، وخصوصاً اللاجئين الأوروبيين، وذلك رغم ترحيبه باللاجئين في أمريكا. وقد منحته الجامعة العبرية في القدس درجة الدكتوراه الفخرية عام 1967.ويطلق عليه تشومسكي «منظر العنصرية الأمريكية». وقد عممت هذه الأفكار في الكتب الشعبية حيث بدأ المبشرون التلفزيونيون الإنجيليون، فيما بعد، في أمريكا يعظون بما قاله هاليندسي في كتبه الشعبية: «أن كوكب الأرض سيفنى على الأرجح أثناء حياتنا. الرب يعلم أن ذلك سيحدث. لقد علم ذلك منذ البداية، ولكن الرب أخفى سره عن كل بلايين البشر الذين عاشوا قبلنا. ولكنهم في رأي ليندسي، كشف عن خطته لليندسي والآخرين، مثل جيري فالويل وجيمي سواجارات وبات ربرتسون الذين يعظون بلاهوت آرمجدون». ولقد كانت نكسة حزيران عام 1967 التي مني بها العرب المحفز الحقيقي والدافع الكبير لهؤلاء المبشرين التلفزيونيين لتعميم نبوءاتهم التي تحققت في هذا الانتصار. والتي كانت الأساس الحقيقي لظهور الأحزاب الدينية المتطرفة داخل الكيان الصهيوني، والتي التقت في تفسيراتها للتاريخ وما يتضمنه من أحداث ومتغيرات مع هذه الاتجاهات اللاهوتية الإنجيلية، والتي استندت أيضاً إلى المواقف التقديسية لليهود والى حركاتهم الأصولية. وكانت حركة غوش أيمونيم الاستيطانية المتطرفة التي ظهرت في اسرائيل في نهاية الثمانينيات، إحدى أهم نتاجات الفكر البروتستانتي المتصهين، وقد صاغت منطلقاتها بالاستناد إلى حاخامي أوروبا الذين عاشوا في القرنين الماضيين وتسوغ ما ذهبوا إليه من اعتبار الحقبة المعاصرة بمثابة الدور الأعظم، بداية، أو حتى وسط، عملية الخلاص التي ستبلغ أوجها بابتداء العصر المسيحاني. وقد تطابقت وجهة النظر البروتستانتية مع وجهة نظر الأصولية اليهودية التي تقول ان (اليهود شعب مختار أو شعب عزيز)، ودحضت مقولة الصهيونية الكلاسيكية، التي تقول ان اليهود شعب سوي. بل انه المختص بمصير الهي مميز، يختلف في نوعه عن كل أمة أخرى موجودة أو وجدت أو ستوجد. وكونهم مختارين لا بد للمقتضيات المتعالية التي يجب على اليهود الاستجابة لها أن تلغي القوانين الخلقية التي تقيد سلوك الأمم السوية. فهذا أفينر أحد منظري غوش أيمونيم ينظر في «الواقعية المسيحانية » وفي غيرها من المقالات إلى العلاقة بين التاريخ والسياسة والخلاص. ويذهب بالقول، إلى أن الأوامر الإلهية التي تلزم اليهود «تتجاوز المفاهيم الإنسانية للحقوق القومية وتتعالى عليها. ويبين أن الله وإن ألزم الأمم السوية الأخرى بطاعة قوانين «العدل والاستقامة » فإن هذه القوانين المجردة لا تلزم اليهود. إن منظومة قيمنا ليست من النواميس الذاتية أو من نتاج العقل البشري، بل هي نواميس غيرية الأصل أو بصورة أصح منظومة نواميس إلهية صادرة عن مهندس الكون الإلهي الخلقي. الدهريون البروتستانت وعلى نفس الأرضية، استند الدهريون البروتستانت الذين يرون في اسرائيل الحديثة، هي أرض صهيون التوراتية، فهذا كينيث كلاين المعلق التلفزيوني الدهري، الذي يصل برنامجه إلى 49 ملايين عائلة في كل أسبوع بالولايات المتحدة الأمريكية، يقول: «ان الرب أنشأ اسرائيل.. إننا نراه يتدخل لصالح اسرائيل.. ياله من وقت ممتاز لمساندة حكومتنا لإسرائيل.. ياله من وقت ممتاز.. دعوا الله يعلم كم تقدرون جذور إبراهيم نفسها. وهؤلاء يعبرون عن حبهم لليهود ليس لانهم يهوداً بل لانهم يرون فيهم ممثلين رئيسيين على المسرح الذي يكشف الفترات الزمنية، أو الدهور التي يحتاجونها (الدهريون ) لنضجهم المسيحي. ويعتقدون أن الرب لا ينظر إلى جميع أبنائه بنفس الطريقة، انه يرانا منقسمين إلى صنفين هما اليهود والاغيار، والرب لديه خطة أرضية لليهود وخطة ثانية سماوية للمسيحيين المولودين من جديد. أما بقية شعوب العالم من مسلمين وبوذيين وأتباع الأديان الأخرى بالإضافة إلى المسيحيين الذين لم يولدوا من جديد، فلا يهمونه في شيء. وأما فيما يتعلق بتدمير كوكب الأرض فليس بإمكانهم عمل أي شيء. والسلام بالنسبة لهم موجود في كتاب الرب. ويؤكد على ذلك المبشر التلفزيوني الإنجيلي، جيم روبيسون الذي دعاه الرئيس الأسبق للولايات المتحدة رونالد ريجان، لاقامة الصلاة الافتتاحية لمؤتمر الجمهوريين الوطني (لن يكون هناك سلام إلى أن يعود يسوع، وأي تبشير بالسلام قبل عودته هرطقة. انه متناقض مع كلام الرب). انه شيطاني. لهذا السبب بالذات نجد أن البروتستانت التفتوا إلى العهد القديم لا كأدب شائع فقط، بل كمصدر للمعرفة التاريخية العامة. وهكذا قلصوا التاريخ العام لفلسطين قبل المسيح إلى تلك القصص التي تضم الوجود العبراني فقط. وتأقلمت أعداد كبيرة من المسيحيين مع الاعتقاد القائل بعدم حدوث شيء في فلسطين القديمة باستثناء الحوادث الضبابية والأساطير القاتمة شبه الخفية والروايات التاريخية المتناثرة المدونة في العهد القديم. وأصبح المسيحيون المحبون للكتاب المقدس يعتبرون العهد القديم التاريخ الوحيد الهام في الشرق الأوسط. وفي 9 يونيو 1982، أي بعد ثلاثة أيام من بدء الغزو الإسرائيلي للبنان، شرح بات روبرتسون بالطمأنينة الهادئة لمن سيكون من المخلصين، أهوال معركة آرمجدون الوشيكة. وقال انني سأضع الكلابات في أفواه التحالف الذي سيقوده ياجوج في أرض ماجوج (الاتحاد السوفييتي سابقاً)، والشعوب التي ستكون معه نيت توغارما (أرمينيا) وبوت (ليبيا) وروش (الحبشة ) وغومر (اليمن ) وفارس (ايران ) وتابع روبرتسون قائلاً: «كل شيء الآن جاهز ويمكن أن يحدث في أي وقت. ولكن من المؤكد أن شيئاً كهذا سيحدث في خريف عام 1982، وهذا سيحقق نبوءة حزقيال. إن التحقق جاهز للحدوث.. إن الولايات المتحدة موجودة في نص حزقيال و.. أننا ننتظر المعركة النهائية». وللتذكير أن حرب الخليج الثانية في عام 1991، جاءت في نفس السياق، بحيث كان الشعار الوحيد في التحشيد لهذه المعركة، هو التذكير باستخدام أسلحة الدمار الشامل، بهدف الإيذان أو التذكير بأن معركة آر مجدون قد بدأت ولا بد للسير بها إلى نهاية المطاف، بل أكثر من ذلك أن الحصار الجائر على العراق لا يزال يخضع لنفس رؤية المبشرين التلفزيونيين الذين يستندون إلى الفكر الدهري الاسترجاعي، بصرف النظر عن الأهداف المادية والسياسية التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لإدامة هذا الحصار. من اللافت، أو حتى من غريب الكلم، أن هؤلاء المبشرين لم يكلوا عن التبشير بالحروب، فعلى سبيل المثال لا الحصر أن المبشر جيمي سواجارت «الدهري» قد استبق حرب الخليج الثانية بستة أعوام من وقوعها، وما أنتجته على المستوى السلمي، التي تمثلت في عقد مؤتمر مدريد للسلام، وأوسلو ووادي عربة، بالقول في موعظة بثها التلفزيون من باتونروج في 22 سبتمبر 1985 بأنه: «يتمنى لو يستطيع القول بأننا سننعم بالسلام. أؤمن أن آرمجدون قادمة، آرمجدون قادمة، سيجري خوض هذه المعركة في وادي مجدو. إنها قادمة. يستطيعون توقيع كل اتفاقيات السلام التي يريدونها فإنها لن تجدي نفعاً هناك أيام سوداء قادمة. لن تحل مشكلات إفريقيا. لن تحل مشكلات أمريكا الوسطى. لن تحل مشاكل أوروبا، بل إنها تسير نحو الأسوأ.. أنني لا أنوي عبور جهنم القادمة. فالرب سيهبط من السماء بصرخة تصم الآذان.. يا إلهي، أنني سعيد بذلك، إنه عائد: «لا يهمني الذين تقلقهم آرمجدون. لا يهمني الذين ترهبهم لأنها تهز روحي طرباً». والغريب بالأمر أن التوراة لم تذكر هذه الحادثة أبداً، وأنها آرمجدون وردت مرة واحدة في الإنجيل في سفر رؤيا يوحنا، وعلى الرغم من ذلك أصبحت هذه الحادثة التي يتوقعونها هي المرتكز الأساسي لتفكيرهم اللاهوتي. وأن البروتستانتية لم تكدس أفكاراً ـ باستثناء الجنة والنار- أكثر مما كدسته لفكرة آرمجدون وكأنها متأكدة من التفاصيل والأرقام المتعلقة بالدمار النهائي. ويبشر أصحاب هذه الطائفة بحرب نووية في هذه المنطقة وتدمير العالم. ويبررون هذه القناعة أن الإصحاح الثامن والثلاثين والتاسع والثلاثين من سفر حزقيال، يصف حرباً نووية قائلاً: «أمطر.. مطراً جارفاً وحجارة برد عظيمة وناراً وكبريتاً.. ويكون رعش عظيم في أرض اسرائيل وتندك الجبال وتسقط المثاقل وتسقط كل الأسوار إلى الأرض في وجه كل الرعب». فيما يصورون المسيح عليه السلام جنرالاً يقود جيشاً معتمدين على تفسيرات للكتاب المقدس باعتباره قائداً أعلى، وسيدمر القوات المتحالفة ضده باستخدام الأسلحة النووية. أو ما يفوق في قوتها القنبلة النيترونية. معتمدين أيضاً، على سفر زكريا (12/14) لحم يذوب وهم واقفون على أقدامهم وعيونهم تذوب في أوقابها ولسانهم يذوب في فمهم. ثم يعود المسيح إلى هذه الأرض ليعيد حكم الرب ويجلب السلام، وسيتولى قيادة العالم من مقر قيادته في القدس. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق نشأة الصهيونية واتساعها في أجواء حمى القوميات (4 ـ 4) القدس هدفاً للتدمير وعلى هذا الأساس قال المبشر التلفزيوني جيري فالويل الأمريكي الذي كان في رحلة إلى فلسطين وبرفقته مجموعة من أتباعه وكانت تضم أوين أحد المعلقين التلفزيونيين لقناة ال(سي. بي )، وهو في الأماكن المقدسة الإسلامية بالحاجة إلى تدمير المسجد الأقصى الذي يجله بليون مسلم في جميع أنحاء العالم، وضرورة خوض معركة ذرية في آرمجدون لتدمير كوكب الأرض.. وهو واقف في مدينة القدس ويتأمل قبة الصخرة المقدسة قال: «إن النبوءة الإنجيلية تتطلب تدمير اليهود لهذا المكان وبناء الهيكل اليهودي مكانه». على أرضية هذا الفهم وهذه القناعة الكلية «المطلقة»، رأت المنظمات الصهيونية ضالتها، في ضرورة تمتين العلاقات مع اليمين الأمريكي، فقد ذهب جاك تورزير - أحد مدراء القطاع الأمريكي في المنظمة الصهيونية العالمية - إلى أبعد من ذلك قائلاً: «إن من الطبيعي للصهاينة الارتباط باليمين المسيحي الجديد، الجمهوريين». علينا - كيهود - أن نستنتج أن الرجعيين اليمينيين وليس الليبراليين هم الحلفاء الطبيعيون للصهيونية. وأوضح اليك رزينك - رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية - أنه أيضاً يؤيد التحالف الأصولي - اليهودي. إننا نرحب بمثل هذا الدعم المسيحي لإسرائيل ونقبله. فيما أكد ضابط الارتباط الإسرائيلي بالإنجيليين هاري هورفيتز الذي يعمل في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي - أن اسرائيل ترحب بالتأييد الإنجيلي اليميني، أعلن أن «الأصوليين المسيحيين عموماً مؤيدين لإسرائيل ولسنا في صدد الاختيار عندما يتعلق الأمر بتجنيد الدعم». وفي نظر أوين كان الإرهابيون اليهود الذين قصفوا المسجد الأقصى، بهدف تدميره ومحوه من الوجود أبطالاً بالإضافة إلى أنهم كانوا أبطالاً في نظر الكثيرين بمن فيهم يهود أمريكا أصحاب الرساميل والمتنفذين من أمثال هاجن داز وروبن ماتسو ورئيس تحرير «جوش برس » وشفارتز وتاجر السلاح المكسيكي فاركوس كاتس، الذين أرسلوا مئات الآلاف من الدولارات إلى الحركات الإرهابية الأصولية في اسرائيل. وليس من قبيل الصدفة أن تجد أن أكثر المتبرعين بسخائهم من الأصوليين المسيحيين للإرهابيين اليهود ويمثلون قارون النفط والغاز، أمثال تيري رايز نهوفر الذي يزور البيت الأبيض باستمرار، والدكتور هلتون ستون رئيس البعثة إلى امريكا، والدكتور جيمس ديلواخ راعي كنيسة هيوستن المعمدانية الثانية، الذي شكل مع آخرين من أمثاله كما يتبجح مؤسسة هيكل القدس، خصيصاً لمساعدة العازمين على تدمير القدس وبناء الهيكل. وكان قد أرسل خمسين ألف دولار للدفاع عن الإرهابيين اليهود الذين أدينوا بالتآمر على قبة الصخرة. وللغاية نفسها، فقد عقد في أوائل أغسطس 1985 م في بازل المؤتمر الصهيوني المسيحي الأول، وحضره 589 شخصاً من 27 بلداً برعاية السفارة المسيحية العالمية في القدس.. وبعد ثلاثة أيام من النقاشات اتخذ المندوبون سلسلة من المقررات التي كتبها مسبقاً، دير هوفن الهولندي الأصل، والمتحدث الرسمي باسم السفارة المسيحية العالمية، والدكتور جورج جياكو ماكيس المدير السابق لمعهد دراسات الأراضي المقدسة في القدس، وريتشارد هلمان ممثل السفارة المسيحية العالمية في واشنطن العاصمة وغيرهم. وقد جاءت القرارات بما يلي: أولاً: حث الصهاينة المسيحيون اليهود الذين يعيشون خارج اسرائيل على مغادرة أوطانهم التي يعيشون فيها والهجرة إلى اسرائيل، لان هؤلاء المسيحيون أدركوا الآلام الرهيبة التي عاناها اليهود، وأنهم لا يزالون يواجهون القوى الحاقدة والمدمرة. وعلى كل مسيحي تسهيل ذلك. ثانياً: حث المسيحيون اسرائيل على ضم الجزء المحتل من فلسطين حديثاً (الضفة الغربية) بسكانه الفلسطينيين الذين يقاربون المليون. وقبل الاقتراع على هذا القرار وقف يهودي إسرائيلي من بين الحضور واقترح أن بالإمكان تعديل نص القرار، مشيراً إلى أن استفتاء إسرائيلياً أظهر أن ثلث الإسرائيليين مستعدون لمبادلة الأراضي المحتلة عام 1967 بالسلام مع الفلسطينيين. فقد جاء الرد من (فان دير هوفن) لا يهمنا اقتراح الإسرائيليين، إنما يهمنا هو ما يقوله الرب. وقد أعطى الرب هذه الأرض لليهود. وبعد هذه الصرخة المدوية اتخذ المسيحيون هذا القرار بما يشبه الإجماع عن طريق رفع الأيدي. ثالثاً : حث المسيحيون أيضاً الولايات المتحدة وكل الأمم على الاعتراف بشرعية ضم رئيس الوزراء السابق اللامشروع للقدس العربية، ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. وطالب المسيحيون الولايات المتحدة وألمانيا الغربية والأمم الأوروبية الأخرى بالتوقف عن تسليح أعداء اسرائيل. إن على الولايات المتحدة إلغاء قرارها بتزويد مصر بالأسلحة العسكرية التي كانت قد وعدت بها مصر، حتى تفي الأخيرة بالتزاماتها التعاقدية بتطبيع العلاقات مع اسرائيل، بما في ذلك التجارة والسياسة. ومن الجدير ذكره، أن الجلسات دامت لمدة ثلاثة أيام متتالية، وقدرت أن المسيحيين الذين رعوا المؤتمر خصصوا أقل من 1% من مجموع 36 ساعة اجتماعات لرسالة ومعاني المسيح، في حين خصصوا أكثر من 99% من الوقت للسياسة. ومن الجدير ذكره أيضاً، أن هذه السفارة المسيحية الدولية، تأسست في 30/9/1980م في القدس بحضور أكثر من ألف رجل دين مسيحي، يمثلون 23 بلداً ولها فروع في 37 دولة، وتعتبر إحدى المنظمات الرئيسية التي تدعى إلى جلسات الاجتماع أمام لجان الكونجرس الأمريكي عند طرح قضايا الصراع العربي - الصهيوني، وبخاصة مسألة القدس. من هذا الفهم العقدي المستند إلى أساس دهري، جاء ضغط لجنة الشئون العامة الإسرائيلية - الأمريكية «إيباك»، وهي الذراع الدعائية القوية لإسرائيل في الولايات المتحدة، على الكونجرس الأمريكي في قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، الذي أسفر عن تعديل هيلمز، بتاريخ 26 يوليو 1988، الذي أصبح جزءاً من القانون العام 100-459، في أكتوبر 1988، الذي فتح الطريق أمام «منشأتين دبلوماسيتين» يتم بناؤهما، بصورة متزامنة، في تل أبيب والقدس، ويمكن لأي منهما أن تستخدم سفارة للولايات المتحدة. وتترك للرئيس حرية القرار في هذا الشأن. في غضون أشهر قليلة، بتاريخ 18 يناير 1989، وعلى أساس تعديل هيلمز، جرى توقيع اتفاق بين اسرائيل والولايات المتحدة، تم بموجبه تأجير قطعة أرض في القدس الغربية إلى حكومة الولايات المتحدة. وهنا لا بد لنا من القول أنه بكل التأكيد، لم يكن من الممكن على الإطلاق أن تبدأ الصهيونية مشروعها دون المسيحيين الراغبين في وضع اليهود في جيتو يدعي الدولة اليهودية لليهود حصراً. والمأساة هي أن اليهود استمروا بالفكرة بعد أن حملها المسيحيين لحوالي مئتي عام. وكما حث الصهاينة المسيحيون الأوائل اليهود الأوروبيين على الهجرة إلى فلسطين والحصول على أكبر قدر ممكن من الأرض، فإن الصهاينة المسيحيين الحاليين، يحثون اليهود اليوم على التوسع وراء حدود فلسطين إلى كل الأراضي العربية الممتدة من نهر الفرات في الشرق إلى نهر النيل في الغرب، على الرغم من مؤتمر مدريد والاتفاقيات التي أبرمت على خلفية هذا المؤتمر، بالإضافة إلى اتفاقيات كامب ديفيد. والغريب أن الصهاينة من مسيحيين ويهود، ورغم الانهيارات الدراماتيكية والتغيرات الكبيرة التي حصلت على الصعيد الكوني، ما زالوا مصرين كل الإصرار على الآراء المسيانية الصوفية، وينظرون إلى ما يسمى بأرض اسرائيل بما فيها الضفة وغزة كمطلق أخلاقي. ويصرون على أن الصوفية جزء أساسي من تراثهم الديني. بعيدين كل البعد عن أسس التفكير العلمي والموضوعي، متمترسين وراء ما يسمى بالوصايا المقدسة، التي يزعمون أنها وعد الرب لإبراهيم الواردة في سفر التكوين. والدليل على ذلك أن الاتجاهات الأصولية البروتستانتية ما زالت تؤثر تأثيراُ فعلياً على مجمل السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى الاتجاهات الأصولية المتطرفة، والتي تتنامى يوماً بعد يوم داخل المؤسسات السياسية للكيان الصهيوني. كاتب فلسطيني ـ دمشق