عادت وسائل الإعلام الغربية خلال الأيام الأخيرة إلى الحديث عن الوضع السياسي «المتفجر» في فنزويلا، وبشكل خاص بعد التصريحات التي أطلقها، بشكل مفاجئ وغير مبرر لا في التوقيت ولا الأسباب، عدد من الضباط العاملين، في الجيش الفنزويلي الذين أعربوا عن معارضتهم العلنية للكولونيل السابق والرئيس الحالي للبلاد «هوجو تشابث»، ومطالبته بالتخلي عن السلطة، على الرغم من أنه وصل إلى كرسي الرئاسة عبر انتخابات «ديمقراطية» على الطراز الغربي الذي تدعو إليه الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ليكون النموذج السائد في الحكم، ليس في أمريكا اللاتينية وحدها بل في العالم كله، على الرغم من اختلاف ثقافات وتجارب معظم شعوب العالم عن ثقافات وتجارب شعوب أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. خلال هذا الاهتمام الإعلامي الغربي الجديد بتحركات هؤلاء الضباط، هذه الحملة الإعلامية ضد الرئيس تشابث ليست الأولى من نوعها، التي يحاول الجميع فيها التأكيد على أصول الرئيس تشابث العسكرية، وقيادته انقلابا عسكريا فاشلا في بداية التسعينيات ضد النظام الحزبي القائم في بلاده، بسبب الفساد السائد بين الحزبين الرئيسيين اللذين كانا يتناوبان على السلطة ليقتسما ثروة البلاد بعيدا عن الرقابة الشعبية، وكانت النتيجة أنه قضى في السجن ثلاث سنوات خرج بعدها ليقود «حزبا» سياسيا معارضا للحزبين التقليديين، ونجح في استقطاب العامة من الناس وفاز في انتخابات عام 1999، ليحقق بالوسائل «الديمقراطية» ما فشل في تحقيقه بقوة السلاح. الغريب أن الكتاب والصحافيين الذين يتولون قيادة تلك الحملة الجديدة ويشاركون فيها ضد الرئيس الفنزويلي «المنتخب ديمقراطيا» لا يشيرون إلى أن الضباط المعارضين له يتبعون الطريق نفسه الذي انتقدوه عندما قاد هوجو تشابث التمرد العسكري ضد النظام الديمقراطي القائم في بلاده، بل الأغرب أن معظم الإعلام الغربي يتبنى رؤية هؤلاء الضباط ويؤيد مطالبهم، وكأن الديمقراطية تسمح بإبعاد أي رئيس منتخب عن المنصب الذي وصل إليه برغبة وإرادة الجماهير أيا كانت ميولها وقت إجراء الانتخابات، حتى لو كان هناك خلاف على تطبيق البرنامج الذي وصل الرئيس تشابث من خلاله إلى هذا المنصب. خاصة أن معظم رؤساء الوزراء المنتخبين في أوروبا الغربية وصلوا إلى الحكم من خلال برامج انتخابية لم ينفذوها، بل وهناك من ينفذون عكسها، ولم يتهمهم أحد بخرق «النظام الديمقراطي»، ولم يطالبهم أحد بترك الحكم!. إذن ما سر تلك الحملات الإعلامية المتكررة التي يواجهها الرئيس الفنزويلي منذ وصوله إلى الحكم قبل عامين؟. المتابع لما يجري في أمريكا اللاتينية من تحركات سياسية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبشكل خاص خلال العقد الأخير منه، أي بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي واختفائه، واختفاء ما كانت تسميه الولايات المتحدة بـ «الخطر الشيوعي»، لا يفاجئه مثل تلك الحملات الموجهة ضد الرئيس هوجو تشابث، بل يرى أنها طبيعية لأن الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من التغييرات التي جرت بعد 1989 لا تزال تعيش بالعقلية نفسها التي كانت تعيش بها وتخطط من خلالها لسياستها الخارجية طوال فترة «الحرب الباردة». العدو اللدود لأمريكا الولايات المتحدة نظرت إلى الرئيس هوجو تشابث على أنه خطر على سياستها في المنطقة حتى قبل وصوله إلى الحكم، لأنه منذ انقلابه الفاشل كان يعلن عن إعجابه الشديد بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو الذي يعتبر العدو اللدود للولايات المتحدة وسياساتها في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث طوال فترة الحرب الباردة، وفشلت في إبعاده عن الوجود على الرغم من كل الخطط التي نفذتها المخابرات المركزية الأمريكية ضده، بما فيها محاولات متعددة لاغتياله. ثم عندما نجح هوجو تشابث في الوصول إلى رئاسة فنزويلا كانت شعاراته الانتخابية مقلقة لصناع السياسة الأمريكية في واشنطن، فقد كان يرفع شعارات «مشبوهة» من وجهة النظر الأمريكية، مثل: العدل والمساواة وتوزيع الثروة، وهي شعارات تتعارض مع أهداف الشركات الأمريكية الكبرى التي ترى في فنزويلا مجرد «بئر بترولية» قريبة من سوق الاستهلاك الأمريكي المتعطش لها، وتلك الشعارات قد تعني تحركات تنتهي برفع سعر هذه الثروة الخام أو إقامة صناعات تحويلية، وبالتالي حرمان تلك الشركات من سوق كبيرة تستورد الكثير من منتجات تلك الشركات. بوصول الرئيس هوجو تشابث إلى رئاسة فنزويلا تحقق جزء من تخوف صناع السياسة الخارجية الأمريكية، فقد كانت أول زيارة له للخارج إلى كوبا، ونتج عن هذه الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات التي تقوم فنزويلا بمقتضاها بتوفير البترول لنظام فيدل كاسترو مقابل خبراء كوبيين لمساعدة حكومة هوجو تشابث على تنفيذ برامجها الاجتماعية، وبشكل خاص الجانب الصحي منها، لأن كوبا تمتلك أفضل نظام صحي في العالم الثالث، ولديها فائض كبير من الأطباء. بحدوث أزمة أسعار البترول خلال العام 2000 والتي هددت خطط التنمية في العديد من الدول المصدرة للنفط بما فيها فنزويلا، كان تحرك الرئيس هوجو تشابث للوصول إلى اتفاق بين الدول المصدرة حول إجراءات معينة تضمن حدا أدنى للأسعار مثار قلق في واشنطن، وأيضا أقلق هذا التحرك الدول الأوروبية المستفيدة من انخفاض تلك الأسعار. وبدأت واشنطن تقلق أكثر عندما قام تشابث بزيارة كل من بغداد وطرابلس، والتقى بصدام حسين والقذافي لضمان اتفاق أوسع على تلك الإجراءات التي انتهت في النهاية إلى وضعها حيز التنفيذ، فعادت أسعار البترول إلى الارتفاع. ثم وجدت الولايات المتحدة أن في انتخاب الوزير الفنزويلي «علي رودريجيث» أمينا عاما لمنظمة الدول المصدرة للبترول نجاحا آخر يضاف إلى سلسلة النجاحات السياسية الدولية التي حققها هوجو تشابث منذ وصوله للحكم، وقررت واشنطن ألا يمر هذا الأمر دون اتخاذ إجراءات حاسمة ضده، حتى لا يتمادى في السير في طريق يبدو خطرا على السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ومن هنا بدأت العام الماضي أول حملة ضده في الإعلام الغربي الموالي للمصالح الأمريكية، وركزت تلك الحملة في حينها على علاقة فنزويلا ببعض الفصائل المتمردة في جارتها كولومبيا. لتكون تلك الحملة مؤثرة ورادعة للرئيس الفنزويلي قامت الولايات المتحدة بالإعلان عن خطط عسكرية لمساعدة حكومة الرئيس باسترانا في كولومبيا في حربها الطويلة ضد الجماعات المتمردة، ولكن خطط الولايات المتحدة قوبلت بانتقادات شديدة من جانب عدد من دول المنطقة، وبشكل خاص البرازيل والأرجنتين والاوروجواي التي وجدت في تلك الخطط خطرا يتهدد حدودها المشتركة مع كولومبيا أو القريبة منها، بل أن الرئيس البرازيلي اعتبر أن أي خطط عسكرية أمريكية تهدف حقيقة إلى إنهاء الحرب الأهلية الدائرة في كولومبيا لا يجب أن تتم بمعزل عن التعاون مع دول المنطقة، حتى لا تخلق مزيدا من العداء ضد واشنطن، ودفع هذا الموقف الولايات المتحدة إلى التراجع مما اعتبره بعض المراقبين انتصارا جديدا حققه الرئيس هوجو تشابث في مسيرته السياسية في منطقة أمريكا اللاتينية. ثم جاءت أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطون لتجد في هوجو تشابث شخصا غير مرغوب فيه، لأنه عارض منذ اللحظات الأولى أي عمل عسكري أمريكي «انتقامي» ضد أي دولة في إطار ما تسميه الولايات المتحدة «التحالف الدولي ضد الإرهاب»، وطالب الرئيس بوش أن يتريث قبل إصدار حكم متسرع يمكن أن تكون نتائجه خطرة ومدمرة على السلام الدولي، وأبدى معارضته لأي عمل عسكري إلا بعد التأكد من أن هناك علاقة مؤكدة وواضحة بين ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر والدولة المراد عقابها، وأن يتم ذلك في إطار الأمم المتحدة التي تعتبر المنظمة الدولية الوحيدة المقبولة في أي عمل دولي من هذا النوع، والمنوط بها العمل على حفظ حقوق جميع دول العالم بلا استثناء. كل تلك المواقف التي اتخذها الرئيس الفنزويلي جعلته «عدوا» لصناع السياسة في واشنطن الذين اعتقدوا أن انتهاء نفوذ الاتحاد السوفييتي في أمريكا اللاتينية انتهى بسقوط جدار برلين، وأنه لم يعد هناك أحد يمكنه أن يعارض سياسة واشنطن في تلك القارة بعد إسقاط النظام السانديني «المناهض» لواشنطن في نيكاراجوا، وتدجين العديد من الدول الأخرى من خلال أنظمة «ديمقراطية» موالية لا تستطيع أن تقف على قدميها دون مساعدة اقتصادية مباشرة من واشنطن، أو غير مباشرة عبر المؤسسات المالية التي تخضع لنفوذها، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. مخاطر أخرى الحملة الإعلامية الحالية والتحركات التي يقوم بها بعض ضباط الجيش ليست الخطر الوحيد الذي يواجهه الرئيس الفنزويلي، بل أن هناك خطوات أخرى أكثر خطورة، منها تحركات شركات الاستثمار الأجنبي التي بدأت في سحب أموالها من أسواق الاستثمار في فنزويلا، مما نتج عنه تعويم العملة الوطنية حتى لا يتآكل احتياط النقد الأجنبي، وأيضا التحركات التي يقوم بها رجال الأعمال بالتحالف مع بعض القيادات النقابية المنتمية إلى الأحزاب القديمة، لخلق مناخ عام يشبه ذلك المناخ الذي خلقته المخابرات الأمريكية في التشيلي خلال السنوات الأولى من السبعينيات والتي انتهت بالانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال بينوشيه تحت «إشراف» مباشر من وزير الخارجية الأمريكي وقتها «هنري كيسنجر» في الحادي عشر من سبتمبر عام 1973. الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش الكولومبي حاليا بعد إعلان الرئيس «باسترانا» إنهاء الحوار الأسبوع الماضي مع الفصائل المتمردة في بلاده، تجري تحت إشراف ودعم عسكري أمريكي مباشر، وبعض عمليات تلك الحملة تجري في مناطق قريبة من الحدود مع فنزويلا، لذلك يتخوف بعض المراقبين من أن تنتهز الولايات المتحدة الفرصة وتخطط لانقلاب عسكري ضد الرئيس هوجو تشابث، وان كان البعض الآخر يستبعد هذا الاحتمال لأن نتائجه غير مضمونة، ويمكنها أن تنتهي بالوضع في المنطقة كلها إلى التفجر بين يدي جورج بوش الذي لا يزال غارقا في حربه «الصليبية» ضد «الإرهاب». لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستغمض عينيها عن الرئيس الفنزويلي، وخططه لإقامة «الاتحاد البوليفاري» تحقيقا لحلم مثله الأعلى ومحرر أمريكا اللاتينية «سيمون بوليفار». ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا.