الذي يجالس طلبة الجامعات من الذين يدرسون تخصصات مهمة، في العادة نتكئ فيها على الاخر الذي يأتي من الخارج. وطلبة كليات التقنية وخصوصا اولئك الذين يستعدون، لانهاء اخر متطلبات التخرج، يشعرون بشيء من المرارة لا مبالغ فيه، فهؤلاء الذين يتميز عدد كبير منهم باندفاع عارم باتجاه تحقيق احلامهم فيما درسوه لا يتوانون بتاتا عن حجب مخاوفهم من اساليب الاستقبال التي يتوقعونها عندما سيتوجهون الى اماكن العمل التي يعتقدون ان امكاناتهم الاكاديمية تؤهلهم لها، واذا ما حاولت ان تقنعهم بأن هذه المخاوف لا مبرر لها طالما انهم متخصصون في مجالات يتطلبها سوق العمل الحكومي، فانهم سرعان ما يهزون لك رؤوسهم بعدم الايجاب. انهم وكمن زرع اليأس في صدورهم يقولون لك حتى وان تقدمنا بطلب وظائف فاننا لا نطمئن اننا سنوضع في المكان الذي نعتقد اننا سنبدع فيه. وان حصل وحصلنا على هذه المواقع فان المحيط الذي سنعمل فيه محيط يبدو غير مهيأ لاستقبال الافكار الجديدة، والتجديد بشكل عام. لا انكر انني شعرت بتلك المرارة وأنا اتحدث الى مجموعة من طلبة كلية التقنية من الذين تخصصوا في دراسات تقنية غاية في الأهمية ويحملون في دواخلهم الشابة والمندفعة احلاما خلاقة، ليس لانني مقتنع مع كل الذي قالوه او يؤمنون به، ولكن لأن هؤلاء بالفعل مجموعة وبالتأكيد هناك عشرات المجموعات مثلهم، ينتمون الى فئة المبدعين والمطورين. حدثني احدهم مثلا عن اخر التقنيات الحديثة المستخدمة في عمليات المونتاج والبث التلفزيوني، وكيف انه دخل احدى محطاتنا التلفزيونية ووجد ان هذا الجهاز موجود بها لكن استغلال امكانياته التقنية العالية لم يتجاوز العشرين بالمئة. وشعرت بالفخر ان هذا الطالب المواطن صاحب تلك الجمجمة الصغيرة يحضر امامي كحضور خبير نستقدمه من اخر الدنيا. وحدثني اخر عن مستوى اجهزة الكمبيوتر التي تجلبها وزاراتنا ودوائرنا الحكومية والتي كثيرا ما تكون مضروبة في الصناعة او التجميع لكنها تباع لتلك المؤسسات «بالشيء الفلاني» عدا عن اتفاقيات صيانتها وبرمجياتها وكيف يلعب مهندسو الشركات في المسألة «لحلب» جيب المؤسسة او الدائرة او الوزارة الحكومية. وحدثني اخر ينهي تخصصه في المجال الاعلامي خلال الشهور المقبلة عن اشياء مشابهة اخرى. وخلاصة القول انك حينما تجلس الى هؤلاء العباقرة وتشعر انهم يمتلكون افكارا خلاقة، ويمتلكون روحا عملية، ويتحلون بثقافة تقنية عالية، وتشعر ان المرارة تحاصرهم في مستقبل وظائفهم بمبرر او دون مبرر ينتابك مزيج من الفرح والحزن. فرح لان هؤلاء الذين يحدثونك عن التطوير والاكتفاء الذاتي، وحزن لان هؤلاء يقلقهم شيء ما. مثل هؤلاء يجب ان تصطادهم المؤسسات الحكومية صيدا وعنوة لان جماجمهم الفتية كنوز.