تسرق الأمم بسرقة أفكارها، لذا يعد الاعتداء على الملكية الفكرية من أشد أنواع السرقة، وعليه تعتبر الافكار بعد نسبتها الى اصحابها ملكا للعالم أجمع لأنها تشكل جزءاً من تكوين الحضارة في رافدها الانساني. ومحط الاعتبار والتفرقة بين الانسان وجميع الحكومات هو الفكرة التي لا تقبل الحصار ولا ترضى ان تكون حبيسة الجماجم الصدئة فهي التي تغذي الحياة بكل انجاز يذهب به الركبان. فأي مساس بفكر هذا الانسان في فكرته يشكل اعتداء على حرية الابداع، فهذا النوع من السرقة المذمومة يعني الرضا بضمور العقل البشري في أعز ما يملك، فالفكرة بكل صورها بحاجة الى حصانة قوية وأسوار شائكة من القوانين الرادعة لكل من تحدثه نفسه بالاقتراب الى هذه المنطقة المحظورة. فالحقوق اذا استبيحت، فإن التدمير يطال كل من يفكر ان يبدع شيئاً يضيف الى الحياة ويزيدها، لأن السراق دأبهم انقاص وزن المفكرين وادخال الغش عنوة الى صفاء الماء قبل ان يختلط باللبن. ومع هذا يزداد اليوم طرح موضوع «الذكاء الاصطناعي» سخونة كبديل للابداع وهو ما لم ولن يحدث، لأن الذي اكتشف هذا الذكاء هو ذات الانسان ولم يصل الجهاز او الآلة الى مستوى هذه العبقرية والا استغنى بنفسه في تدمير وتولي جميع أمره. العقل المبرمج لهذا النوع من الذكاء الاصطناعي هو عقل الانسان في أعلى درجات ابداعه لأنه يجعل جزءاً من خاصيته في هذه الآلة من باب افتقار الزمن لانتاج ما هو اجدى وانفع له ولبني جنسه. فكل طرق الابداع مرجعها العقل او الفكر الذي يراد سرقته عبر الوسائل التقنية الحديثة وهو جزء من مفارقات الزمن الذي سهل على الناس السرقة وعقد عليهم دروب الامانة والنزاهة. واذا فتحنا باب الافكار على الناس وتركنا الحبل على الغارب لا نجد بالمقابل قوة نافذة تعيد الحقوق المسروقة الى اصحابها، وقد يمضي وقت طويل ونحن نتغنى بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، الا ان هذا الزمن الطويل كفيل بأن يحول الافكار الخلاقة الى منتجات متداولة في الأسواق فلا نملك الوقت اللازم والكافي لاعادتها الى من رفع صوته عالياً بأحقيته في التملك. هذا بالنسبة للمسروقات من الافكار، وأما البقية المكنونة وعلى الأكثر، فانها تنتظر من يخرجها لأنها غدت كاللآلئ التي لا تجد الغواص المناسب لاستخراجها ومن ثم بيعها بأثمان باهظة كما كانت في الماضي القريب.