لاشك أنه قد حدثت متغيرات جذرية مؤخرا، أضافت الى الصورة الاعلامية بالسلب، وعلى رأس هذه المتغيرات ما حدث في الولايات المتحدة حين قامت منظمة «القاعدة» التي ترفع شعارات الاسلام بتفجير برجي مركز التجارة العالمي، في نيويورك، الأمر الذي ترتب عليه حدوث كارثة انسانية فظيعة، ذهب ضحيتها ما يزيد على خمسة آلاف إنسان، تعددت أديانهم ومذاهبهم وجنسياتهم. وأنتجت الكارثة الانسانية خللا في الموازين الدولية فرض إعادة النظر في الخارطة العالمية كلها، لكن للأسف من وجهة نظر الولايات المتحدة التي استغلت الكارثة الانسانية لاعادة تأكيد هيمنتها والمضي قدما في فرض سطوتها بوصفها امبراطور العالم الجديد. والمؤكد أن يوم الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 سيظل نقطة فاصلة في التاريخ بكل ما تحمله الكلمة من معان، فالواقع السياسي العالمي بعد هذا اليوم يختلف عما كان قبله، في المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية في الوقت نفسه. ومهما أنكر البعض هذه الحقيقة أو حاول التهوين من شأنها فإن الأحداث العالمية التي تتابعت منذ ذلك اليوم تؤكد مرارا هذه الحقيقة، وتصاعد تأثيراتها السلبية، خصوصا على وطننا العربي الممتد من المحيط الى الخليج، ذلك الوطن الذي فقد القدرة تماما على تحديد مصيره أو الحفاظ على استقلاله. وللأسف، فقد أدت المتغيرات العالمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والاسلوب الذي تعامل به قطاع واسع من الإعلام الغربي مع هذه الأحداث، الى ظهور موقف سلبي من «الاسلام» وهو موقف متحيز، حمل رواسب النزعات القديمة المعادية للاسلام وأبرزها من جديد لتشويه صورة ديننا السمح الذي يدعو الى التسامح والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد انعكست هذه المتغيرات على صورة المرأة العربية والشرقية عموما في الاعلام الغربي، خصوصا بعد أن أبرزت وسائل الاعلام الغربية صورة المرأة «الطالبانية» بوصفها نموذجا للمرأة المسلمة بوجه عام، وذلك ضمن خطة أو حملة اعلامية سياسية تهدف الى الاساءة للاسلام، وأصبحت صورة المرأة المنقبة التي لا تظهر لها ملامح تحت الزي التقليدي، والمحجوبة عن المجتمع والحياة تحت حكم طالبان، هي الصورة المتكررة بالحاح في وسائل الاعلام الغربية طوال الأشهر القليلة الماضية. وإذا كانت المرأة الأفغانية تحتاج بالفعل الى تبني قضاياها والاهتمام بها، بعد أن تعرضت لقهر غير مسبوق في السنوات التي قادت فيها حركة طالبان البلاد ومنعت فيها النساء من العمل أو تلقي العلم، إلا أن ما تعرضت له المرأة في أفغانستان وما وصلت اليه في السنوات الخمس الأخيرة لا يشكل بحال من الأحوال واقع المرأة في المجتمعات الاسلامية، فما حدث في أفغانستان من منع المرأة من التعليم، وحرمانها من العمل جنبا الى جانب الرجل، والقضاء على حريتها وحقوقها، كل ذلك لا يمثل قاعدة عامة مضطردة، فصورة المرأة العربية المسلمة الغالبة على خلاف ذلك، وتتضمن جوانب ايجابية كثيرة في مجالات العمل الاجتماعي والمشاركة السياسية والاسهام الثقافي والحركة الاقتصادية، ومهما تحدثنا عن هذا الجانب السلبي أو ذاك في بقايا العلاقات التقليدية الجامدة التي لا تزال تؤسس لبعض أشكال التحيز ضد المرأة المسلمة، خصوصا في الأقطار التي أصابها التطرف، فإن ذلك لا يعني بحال اتصاف أوضاع المرأة المسلمة بالسلب في كل الأحوال، فضلا عن أن ما وصلت اليه النماذج الصاعدة لهذه المرأة على المستوى العالمي يؤكد زيف الصورة التي يعمل بها الاعلام الغربي على إشاعتها. والمؤكد أن الانجازات الايجابية التي حققتها المرأة العربية، بوجه خاص، على مدى تاريخها النضالي في المجتمعات العربية، يحمل من علامات الامكان الواعد ما يتناقض كل التناقض والصورة المتخلفة التي تسعى أجهزة الاعلام الغربي الى اشاعتها في الأشهر القليلة الماضية. ومن المؤكد أن هذه الصورة المتخلفة هي أولى التحديات التي يجب أن يواجهها الاعلام العربي إحقاقا للحق، أولا، ودفاعا عن المرأة العربية المسلمة التي لا يمكن اختزالها في صورة المرأة «الطالبانية» التي قمعت وظلمت الى أبعد حد. ولن يتحقق ذلك إلا إذا قامت أجهزة الاعلام العربي باعادة النظر في الاستراتيجية التي لا تزال تتبعها في تقديم صورة المرأة العربية الى العالم الذي تحول الى قرية كونية صغيرة. ويقتضي ذلك الوعي بالشروط المتغيرة للعصر من ناحية، والموضوعات الجديدة التي ترتبت على أحداث الحادي عشر من سبتمبر من ناحية موازية. إن الحاجة ماسة الى خرائط عقلية جديدة تعي متغيرات العالم، والى وعي جديد يبرز الصورة الايجابية للمرأة العربية الجديدة التي لا تزال في دوائر الهوامش الثانوية، والتي تملك مع ذلك إمكانات تغيير الصورة السلبية للمرأة على مستوى علاقات المثاقفة العالمية. وأتصور أن الاعلام العربي لن ينجح في تغيير صياغة صورة المرأة المقدمة الى الخارج إلا إذا نجح في تغيير صورة المرأة التي يبثها في الداخل، والتي لا تزال غير بعيدة عن النموذج النمطي السلبي غير الفاعل. واذا كانت الثقافة التقليدية هي الغالبة، بدرجات مختلفة عبر الأقطار العربية، فإن مسئولية الاعلام العربي في هذه المرحلة هي الانحياز الى التيارات الجديدة الواعدة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا على امتداد العالم العربي. وتحويل هذه التيارات الى رسائل اعلامية تسهم في تقديم المجتمعات العربية وتنميتها بوجه عام، ومن ثم تسهم في تغيير الصورة السائدة اعلاميا للمرأة العربية، واحلال صورة جديدة واعدة مكانها، سواء على مستوى التكرار، أو مستوى الشيوع والغلبة. يدفعني الى تأكيد ذلك أن صورة المرأة في الاعلام العربي لا تتطابق مع حركة الواقع العربي نفسه، فقد أفرز تطور مجتمعاتنا العربية نماذج من المرأة الجديدة لا أثر لها في الاعلام الذي لا يزال يركز في برامجه وأعماله الابداعية على الصورة المتخلفة والتقليدية للمرأة، ومن ثم الصورة النمطية التي لابد من تجاوزها. والخطوة الأولى في ذلك هي استبدال السائد ثقافيا بالهامشي، والنماذج المتقدمة الواعدة بالنماذج المتخلفة الجامدة، وذلك ضمن استراتيجية اعلامية شاملة تعمل على دفعها المجتمعات العربية الى أقصى درجات التقدم، كما تعمل على لحاق اعلامنا القومي بالاعلام المتطور في العالم كله، خصوصا بعد أن تسارع ايقاع التقدم الذي لم يعد يسمح بالتباطؤ في الحركة الى الأمام أو التخلي عنها.