ترتكب اسرائيل في حق مصيرها خطأ تاريخياً جسيماً، إذا هي تعاملت مع مبادرة السلام السعودية بنهج المراوغة اليهودية التقليدية، فالمبادرة السعودية تعرض معادلة انصافية تشتمل على استرداد حق الشعب الفلسطيني المشروع بالكامل بينما توفر لاسرائيل ضمانة الأمن المستقبلي بإجماع عربي. إنها معادلة بسيطة ومباشرة.. وأيضا قوية. وقوتها مستمدة من بساطتها. وعلى هذا النحو فهي تتكون من عنصرين مرتبطين عضوياً: انسحاب كامل من كافة الأراضي العربية التي أحتلت عام 1967 من ناحية الطرف الاسرائيلي يقابله تطبيع جماعي من ناحية الطرف العربي تشارك فيه كل الدول العربية. ولو قبلت اسرائيل بهذا العرض المتوازن لضمنت لنفسها مخرجاً من المأزق الدموي الراهن الذي وضعت فيه نفسها. لكن يبدو من المؤشرات الاسرائيلية الأولية تجاه المعادلة السعودية المطروحة ان القيادات الاسرائيلية مازالت تعتبر المراوغة والمناورة نهجاً معتمداً أوحد للتعامل مع العرب، فكيف إذن استقبلت العرض المطروح؟ من الوهلة الأولى قرر القادة الاسرائيليون فيما يبدو حصر رؤيتهم على وجه واحد من العملة، فأخذوا بعنصر واحد من المعادلة متجاهلين العنصر الآخر المكمل له والذي بدونه تسقط المعادلة تماماً، فقد حصر الاسرائيليون رد فعلهم على عنصر «التطبيع» غير مقرون بذكر «الانسحاب». وفي هذا سلكوا مسلكاً خداعياً فاضحاً. لقد أصدر الرئيس الاسرائيلي بياناً رسمياً بشأن المبادرة السعودية كانت النقطة المحورية فيه مسعى خبيثاً لخلق حالة من التطبيع الاسرائيلي السعودي مقدماً وبالمجان. فقد دعا الرئيس الاسرائيلي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد السعودية الى زيارة اسرائيل مبدياً في الوقت نفسه استعداده لزيارة السعودية كاقتراح بديل. وذهب الرئيس الاسرائيلي أبعد من ذلك فسمّى القدس ـ لا تل أبيب ـ مكاناً للقاء المقترح مع ولي العهد السعودي.. وكأنه يهدف الى خلق انطباع عالمي، لو تحقق اللقاء على هذا النحو المقترح بأن هناك اعترافاً عربياً ـ ولو ضمنياً ـ بأن القدس «الموحدة» هي عاصمة اسرائيل الأبدية. وهكذا نرى صورتين متناقضتين تماماً: الصورة السعودية التي تنم عن الجدية الكاملة لوضع خاتمة للصراع العربي الاسرائيلي تسترد للعرب حقوقهم المشروعة كاملة غير منقوصة، وتقدم في الوقت نفسه فرصة للاسرائيليين لضمان العيش في سلام بضمان الدول العربية كافة. والصورة الاسرائيلية التي تجسد النهم اليهودي التقليدي لأخذ المكافأة دون دفع المقابل. على ان هذه الشواهد الاسرائيلية الرذيلة يجب ألا تصرف الطرف العربي عن التمسك بالمبادرة، فإن تفاعل المبادرة سوف يؤدي على أقل تقدير الى فضح نوايا اسرائيل بما قد يؤدي الى تقليص التأييد الغربي للدولة اليهودية خاصة في أوروبا. ونثق في ان السعودية سوف تعرض مشروعها رسمياً على القمة العربية المقرر عقدها في بيروت الشهر المقبل. كما نثق أنها سوف تستقبل في اجتماع القمة بتأييد عربي إجماعي. ومن ثم يمكن عرض المبادرة بصورة رسمية على العالم. وربما يكون الأفضل إذا أجيزت المبادرة في اجتماع القمة كمبادرة عربية، أن تقدم الى الأمم المتحدة ليتبناها مجلس الأمن الدولي على مرجعية القرار الدولي 242 الذي ينص أصلاً على انسحاب اسرائيل من الأراضي العربية المحتلة مقابل ان تحظى بالاعتراف من دول المنطقة.