رحم الله الشهيد فيصل الحسيني حيث كان يقول لنا: «ان اي اجتماع بيننا وبين العدو الصهيوني تسمعون عنه، ما هو في الواقع الا عملية فك اشتباك نقوم بها من معركة تحمل في داخلها فرصة للاعداد لمعركة مقبلة، فلا تظنونها عملية مساومة على الحقوق او تنازل عن حقنا الثابت في الكفاح». والاهم من هذا وذاك يضيف الشهيد فيصل الحسيني «بأن هذه الاجتماعات التي تسمعون عنها ينبغي الا تشكل مبررا لكم عربا او مسلمين للاعتراف بهذا العدو الغاصب او التطبيع معه فهي من ضرورات الالتحام وفك الاشتباك بينما ينبغي ان تبقى خياراتكم انتم مفتوحة دائما». مع كل يوم جديد يطل علينا ونحن نتابع كفاح الشعب الفلسطيني الصابر والصامد والمصمم على نيل الاستقلال الناجز والحرية، نزداد فخرا بهذه الطليعة المجاهدة من امة العرب والمسلمين التي تقاتل نيابة عنا جميعا صونا للعرض والعزة والكرامة والعقيدة غير انه وفي المقابل من هذا المشهد الفلسطيني العظيم المعمد بالدم والشهادة فإن من يرقب المشهد العربي والاسلامي عموما يراه مرتبكا غامضا بل ومريبا في احيان كثيرة وكأنه لا يملك من امره وخياراته الاخيار التسليم لمنظومة القيم والشروط التي يضعها المنتصر في الحرب على المهزوم والمستسلم! قد تكون مدنية الغرب هي المنتصرة ومنذ زمن طويل منذ افول نجم الحضارة الاسلامية نعم ولكن خيارات الكفاح من اجل نيل الحق والاستقلال والحرية السياسية للشعب الفلسطيني وفي اطار اوسع الشعوب العربية والاسلامية لا تزال كثيرة وكثيرة جدا. قد يكون جانب من هذه المعركة قد تشوشت صورته او مال ميزان القوى لغير صالحنا في جانب آخر من معادلة الصراع بسبب اخطاء ارتكبها جمع من بني جلدتنا او حماقة ارتكبها هنا او هناك من تكلموا او تصرفوا باسم الجمع الا ان جوهر معركتنا من اجل الاستقلال والحرية والدفاع عن العقيدة لم يتغير ولا ينبغي ان يتأثر لا بحوادث 11 سبتمبر ولا بغيرها مطلقا فالمتغيرات تخلق متغيرات من جنسها ولا تلغي الثوابت والمعارك الخاطئة قد تفضي الى هزائم ونتائج وخيمة على ارض المعركة لكنها لا ينبغي ان تدفع بمجموع الامة الى التسليم لارادة المعتدي ايا كان جبروته واستكباره وبطشه. شعب الجبارين في فلسطين يعرف هذه المعادلة وتيقن قواعدها باستمرار منذ نحو مائة عام من الحرب المفتوحة على الامة ولم يخطيء اتجاه البوصلة يوما. المعركة المطلوب استمرارها من بعد افغانستان في الشرق الاوسط وفوق ارض فلسطين بالذات ولا تجد ترجمتها الحقيقية ومصداقيتها الا بتعبئة الرأي العام العالمي ضد عصابة القتلة ومجرمي الحرب في تل ابيب ومن حولها من التجمعات الاستيطانية. اما ان توجه اصابع الاتهام الى الفلسطينيين مع كل صباح جديد يطل على عالم ما بعد احداث مانهاتن، باعتبارهم نموذجا لارهاب القاعدة والطالبان!! فهذا ما لن ينطلي على احد في العالم لو بذل مجرم الحرب شارون وزبانيته ما بذل ولو جمع كل قوى محور «الشر» الذي ينتمي اليه. فشعب فلسطين وحده نعم حتى من دون ان يقف معه احد في العالم قادر على هزيمته في نهاية المطاف لانه يتحرك عكس اتجاه حركة التاريخ الطبيعي وخلاف صيرورة السنن الكونية. فما من شعب تشبث في ارضه وأصر على نيل حقوقه وصرخ في وجه جلاده الا ونال استقلاله وحريته. فالملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم فكيف بشعب الجبارين الذي يحفر في ارض فلسطين، ارض آبائه واجداده من الاخاديد والحفر ما لن يتمكن اي جلاد ان يطمرها ولو بعد آلاف السنين. المهم ان نعي نحن العرب والمسلمين البعدين بنسب متفاوتة عن الميدان وأرض المعركة حقائق هذه المعادلة بدقة وشفافية حتى لا نخسر المزيد من رصيدنا بسبب سوء تقديرنا مرة ثانية كما سبق وحصل لنا في افغانستان مرتين مرة قبل 11 سبتمبر ومرة بعدها. ثمة من يعتقد من المطلعين والمتتبعين للحدث الفلسطيني بأن على العرب والمسلمين الذين يستعدون اما لقمة عربية او لقمة حوار اسلامية ـ اوروبية كما ورد في بعض التقارير ان يدركوا ما يلي: أولا: ليس هناك فلسطيني واحد مهما عظم شأنه الشخصي بقادر على ان يتخلى باسم شعبه عن اي حق من حقوق الفلسطينيين الثابتة والمعروفة والمشروعة في فلسطين. نعم قد يتخلى عن حقه الشخصي فقط لا غير. ثانيا: ان الفلسطينيين اكثر الناس معارضة للنظرية التي راجت لفترة ثم خبت ثم عادت لتظهر من جديد في بعض الاوساط والنخب والمجتمعات العربية والاسلامية من جديد والتي تروج للتطبيع مع العدو الصهيوني بحجة «اننا لن نكون فلسطينيين اكثر من الفلسطيني» والسبب في ذلك كما قلنا بالاستشهاد بفيصل الحسيني من حيث ان للفلسطيني ضروراته التي ليست واردة مطلقا في حالة العربي او غير العربي من المجتمعات الاسلامية غير المشتبكة مباشرة مع العدو الصهيوني. ثالثا: اذا كانت ضرورات الدبلوماسية تتطلب منا ان نخاطب العالم وخاصة المجتمع الغربي منه بلغة وخطاب عقلانيين فإن ذلك يجب ان لا يلغي مطلقا خيارات الكفاح المفروضة علينا ومنها خيار استخدام القوة لاسترداد حقنا والذي يبدو ان العالم لا يعرف غير لغتها في النهاية وهو ما بدأ يؤثر في المعادلة الميدانية فوق فلسطين المحتلة. رابعا: اذا كانت هناك ضرورات للسلطة تدفعها في مرحلة معينة للحديث عن امكانية الدخول في مفاوضات او محادثات مع العدو من اجل المطالبة بالحقوق وقد يكون هذا من شئونها الخاصة الا ان عليها ان تعلم بأن ذلك لن تلزم الشعوب العربية والاسلامية مجتمعة بالتطبيع مع العدو الصهيوني او التعايش معه مطلقا فالتطبيع مع هذا المحتل الغازي والمغتصب لارض فلسطين التاريخية سيظل بنظر شعوبنا حراما الى يوم القيامة. خامسا: ان كل عنف او قوة يستخدم ضد الاحتلال والعدوان الاجنبي على شعبنا الفلسطيني او العربي هو عنف مشروع مهما كان الشكل الذي تبلور فيه هذا العنف. وهو عنف يقر بمشروعيته حتى كبار النخبة والمفكرين والعلماء والباحثين الامريكيين الذين يقفون خلف الادارة الامريكية الراهنة، بل ويسمونها بالحرب العادلة والمبررة اخلاقيا. والتي تنطبق شروطها علينا تماما حتى وان قتلنا سكان اسرائيل «غير المنخرطين بشكل مباشر في ساحة اطلاق النار المباشر» حسب مفهوم بيان المثقفين الامريكيين الستين الذي نشر مؤخرا لدعم المعركة المفتوحة ضد الارهاب. نعم، ان قتل المدنيين والابرياء في نيويورك ولندن وبرلين وروما امر يحرمه ديننا وشرائع العالم المختلفة. اما طرد المحتل والغازي من الاراضي المغتصبة والمحتلة بكل الوسائل المتوفرة فهو ليس فقط حراما بل يصبح واجبا انسانيا ناهيك عن كونه واجبا شرعيا علينا نحن المسلمين. اخيرا وليس آخرا نقولها وبصدق نعم كنا نتمنى بل ونحن على اهبة الاستعداد ان نصل الى نيل الحق الفلسطيني الثابت والمشروع من خلال السلم والحوار ودون اراقة المزيد من الدماء. لكن ذلك غير سبل الخداع الاعلامي والسياسي والدبلوماسي التي يروج لها الصهاينة تحت عناوين شتى مثل وقف العنف المتبادل! السيطرة على الارهاب الفلسطيني! التخلي عن العمليات ووقف اطلاق النار! العودة الى طاولة المفاوضات وغيرها وغيرها الذي يغزو اعلامنا العربي والاسلامي ايضا وللاسف الشديد. واذا كان لابد من حوار مع العدو وعلى طاولة المفاوضات فلمناقشة بند واحد واسمه جدولة الجلاء والانسحاب من الاراضي المحتلة. اما ان نتخلى عن خيارات الكفاح والمقاومة عن العرض والشرف والارض والعزة والكرامة والعقيدة! فهذا ما لم تفعله امة تحترم نفسها قبلنا فكيف بشعب الجبارين في فلسطين. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني