المثل العربي الذي صاغوه شعرا يقول: سافر، ففي الأسفار خمس فوائد ولسوف نكتفي في مستهل هذا المبحث بالعدد الاجمالي الخماسي لهذه الفوائد فقد نسينا عجز البيت الشعري القديم وبالتالي، لم نعد نذكر نوعية الفوائد الخمس التي ينصح بها المسافرين. ولا جناح علينا، فليس هذا ـ في ظننا ـ بيت القصيد.. حيث السفر في هذه الأيام مرادف للظاهرة أو فلنقل النشاط بل هي الصناعة التي يطلق عليها اهل زماننا لقبها المعروف.. السياحة.وفوائد السياحة في عصرنا لم تعد موجهة بالدرجة الأولى إلى المسافر القديم ـ السائح المعاصر الجديد سواء كانت خمسا أو سبعا قد تقل أو تزيد.. ان الفوائد المعاصرة فيما يقصد بها الدخل القومي أو الناتج القومي أو المحلي الاجمالي أو الفردي على السواء.. إنها الإيرادات التي تعود على خزائن الدول من صناعة السياحة التي أصبحت تعود بأرقام وأحجام كبيرة طائلة من حيث القيمة المضافة إلى الدخل أو الناتج لدرجة تطورت معها النظرة إلى قطاع الخدمات ومن ثم إلى ما اصبح يسمي باسم القطاع الثالث ـ أحيانا القطاع الثالثي بعد الزراعة والصناعة في هذا البلد أو ذاك. منظمة السياحة العالمية ولأن السياحة اكتسبت هذه الأبعاد الهامة والمحدثة في ميزانيات الدول وربما في مستقبل الشعوب ـ فقد أصبحت موضع دراسات علمية وتحليلات أكاديمية وموضوعية.. وان كانت المرجعية الأولى التي تسهر على تعريفها وتطويرها وتعميق مفاهيمها وتقييم أساليب أدائها مازالت تتمثل في هيئة حكومية دولية (بمعنى مشترك بين الحكومات وتشكل عضوا في أسرة المنظمات والوكالات الدولية المتخصصة التي تعرف بإسم منظومة الأمم المتحدة) وهذه الهيئة هي منظمة السياحة العالمية وتتخد مقرها في العاصمة الأسبانية مدريد ويقوم أداؤها على أساس إجراء البحوث النظرية والدراسات الميدانية في مجال السياحة العالمية. ويلفت النظر للوهلة الأولى ذلك التعريف الذي تحدد به المنظمة المتخصصة معنى السياحة فتقول: إنها الأنشطة التي يمارسها الناس ـ أفرادا وجماعات ـ ممن يسافرون خارج بنياتهم المعتادة لفترة لا تزيد بحال من الأحوال عن سنة حيث تتمثل أغراض هذا السفر في الترفيه وقضاء وقت فراغ دون أن ينفي ذلك أيضا أداء أعمال تجارية (بيزنس) في بعض الأحيان، فضلا عن أي أغراض أخرى (راجع من جديد فكرة الشاعر العربي القديم عن فوائد الأسفار الخمس التي قد تقل وقد تزيد) . 1950 سنة الأساس تقول قاعدة البيانات التابعة لمنظمة السياحة العالمية : منذ عام 1950 زادت رحلات الوصول السياحية بمقدار عشرين ضعفا حيث وصل عددها في عام 2000 إلى 698 مليون رحلة سياحية كما أن من المتوقع أن يتضاعف هذا العدد الضخم بمقدار 20 مرة في عام 2020 وعليك الف خير كي يصل عدد رحلات السواح الجوالين في أنحاء الكرة الأرضية إلى 1.6مليار رحلة (وأن كان الأمر يستلزم في هذا المقام بالذات إبداء قدر من التحوط العلمي أو الإحتراز الإحصائي حيث أن هذه التوقعات الإحصائية تم التوصل إليها قبل أحداث سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة التي جاءت ـ كما لعلك تعرف التغير إلى حد كبير ـ أحيانا غير متوقع ـ من خريطة الإحصاءات والتوقعات وتنبؤات الرصد المستقبلي على مستوى العالم بأسره)ويضاف إلى هذا التحوط العلمي أن الإحصاءات المذكورة التي توردها منظمة السياحة العالمية لا تشمل رحلات السياحة الداخلية التي لا تتعاطى معها بداهة المنظمة العالمية لأنها تخرج عن نطاق التعريف الذي ألمحت إليه والذي يتعلق أساسا بسفر الأفراد خارج نطاق البيئات المعيشية التي نشأوا فيها وتعودوا على الحياة ضمن إطارها. زاد الدخل فسافر الناس وثمة عوامل أدت إلى هذه الأصناف المضاعفة من السواح الذين يجوبون كرة الأرض المعمورة ويأتي في مقدمتها إرتفاع الدخول بين كسبة الأجور في معظم أقطار العالم ـ وخاصة ذلك الجزء من إيراد الفرد الذي يمكن التصرف فيه بمعنى تجنيبه لأغراض السفر والفرجة وزيارة الأمصار والأقطار. وهناك أيضا نشوء وتشغيل أجيال جديدة من الطائرات النفاثة التي تجمع بين سرعة الحركة وإتساع المجال لأعداد أكبر من المسافرين. طبعا لا نقصد طائرات الكونكورد التي تكاد تقتصر على كبار الساسة ونجوم السينما وبارونات المال والأعمال. وهناك كذلك الأسعار التشجيعية والمزايا الترويجية الناجمة عن اشتعال وإتساع حمى المنافسة بين شركات الطيران العالمية حيث لا تقتصر المنافسة على الجانب الاقتصادي بل يدخل ضمن نطاقها عنصر المباهاة الوطنية أو الاعتزاز القومي لأن شركة الطيران وخاصة في أقطار العالم النامي ـ الثالث ـ تشكل أحيانا رمزا من رموز الاستقلال شأنها في ذلك شأن النشيد الوطني ومحطة الإذاعة والتلفزة الوطنية (لا تنسى القنوات الفضائية التي تحمل شعار الدولة وتنطلق بلغتها المحكية بين ربوعها) فضلا عن العلم الخفاق والمقعد الوثير في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. الخ كل هذه العوامل أفضت إلى تنافس شركات الطيران على جذب أكبر أفواج للمسافرين السائحين ومن ثم تخفيض أسعار بطاقاتها والاعلان حسب المواسم عن أسعار تنافسية بين الشركات وتشجيعية بين الركاب فضلا عن لجوء الكثير من هذه الشركات إلى أسلوب الإتفاق ـ الحزمة (باكدج) الذي يجمع بين النقل الجوي والإيواء والخدمة الفندقية وتنظيم زيارات الفرجة نظير مبلغ مقطوع ومعلوم. انخفاض أسعار البترول ثم جاءت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بميزة الإنخفاض النسبي لأسعار البترول وبالتالي وقود السفن والبنكرز أو بنزين السوبر اللازم للطائرات وأخيرا جاءت فترة ما بعد الثورة الصناعية الثانية ـ السبعينيات من القرن الماضي وقد شهدت ثورة الحواسيب الالكترونية كما قد نسميها وقد أفضت بدورها إلى دخول ـ بل اقتحام شبكة الإنترنت حياة الناس وعقولهم واهتماماتهم ومصالحهم مما أدى إلى تثوير العلاقة بين وكيل السفر والسياحة فردا كان أو مؤسسة وبين طالبي السفر وزبون السياحة أفرادا كانوا أو جماعات يستوي في ذلك الحجوزات المتاحة والتذاكر المباعة والمواقع المستهدفة في قارات العالم المختلفة والأسعار المعروضة في سوق المنافسة القطرية والإقليمية والدولية. أدى هذا كله إلى نشوء أسلوب وأداء مستجدين تماما في سوق السياحة العالمية..ويطلق عليه الخبراء اسمه الجديد بدوره وهو: سياحة الإتصال ـ الخط المباشر (أون لاين تورزم) هنالك يتم التعامل بين الوكالة والعميل وتقدم جميع الخدمات وتبرم الإتفاقات وطبعا تدفع الأموال من خلال إتصالات الحاسوب (الكمبيوتر) وقد تبدأ السياحة وتنتهي دون أن يرى أي من طرفي العلاقة ملامح الطرف الآخر. سياحة الحواسيب في هذا السياق، تشير إحصاءات منظمة السياحة العالمية إلى أن فترة السنوات الثلاث التي اختتم بها القرن الماضي 1997-2000 شهدت زيادة بمقدار 5 أضعاف في مضمار هذا النوع المستجد من إتفاقات السياحة الإلكترونية ـ السياحة المحسوبة أن شئت التعبير وبهذه الزيادة بلغ عدد هذه الإتفاقات مع مطلع القرن الجديد 25 مليون (!) إتفاق مع هذا كله، فلا يزال هناك بين صفوف الخبراء والمحللين المعنيين بهذا المجال من يقول: هونوا عليكم: مازالت السياحة ترفا مقصورا على قلة قليلة ـ تكاد تكون صفوة أو نخبة منتقاة بين جموع سكان العالم وهي بهذه الصفة تكاد تشكل حكرا مقصورا على أهل الشمال المتقدم الموسر القادر ماديا والمتقدم اقتصاديا وتقنيا من سكان المعمورة ومن هؤلاء الخبراء تورد الأستاذة (ليزا ماسنتي) رأيها الذي تقول فيه:إن نسبة الثمانين في المئة أربعة أخماس السائحين تقريبا على مستوى العالم يأتون من قارات أوروبا والأمريكتين، فيما تأتي نسبة 15 في المئة تقريبا من منطقة شرقي آسيا والمحيط الهادئ ـ أما نسبة الخمسة في المئة المتبقية، وهى كما ترى نسبة مهيضة مكتوب عليها ضآلة الغلب والمحدودية فتأتي من مناطق أفريقيا وجنوب أسيا والشرق الأوسط مجتمعة (!) الخبيرة الأمريكية (ليزا ماسنتي) نشرت مؤخرا دراسة مكثفة في كتاب حمل العنوان التالي: الضوء المسافر: مسارات جديدة للسياحة الدولية. وقد صدر كتابها في أحدث أعداد الدراسات الموجزة التي يقوم على نشرها معهد رصد أحوال العالم (وورلد ووتش) (العدد 159 ـ فبراير 2002). ثم ورد مضمونها بشكل أكثر إيجازا وتكثيفا تحت عنوان إعادة توجيه السياحة الدولية ضمان محتويات الكتاب السنوي الصادر بدوره في فبراير 2002 عن المعهد المذكور والكتاب السنوي هو: حالة العالم سنة 2002. تقول الباحثة: أن نحو ثلثي السواح الدوليين يسافرون لاغراض قضاء الاجازة وشغل الفراغ والترفيه والترويح عن النفس. في حين أن هناك أعدادا أقل تسافر من أجل لقاء الأصدقاء وأفراد الاسرة وتلبية وزيارة المواقع الدينية هذه الأغراض كانت هي العنصر الغالب ربما التقليدي في مجال السياحة الدولية لكن هذه الأغراض في حال من التبدل بقدر ما أن أذواق السائحين أنفسهم في حال من التغيير. هكذا تقول باحثة أخرى مهتمة بهذا المجال هي الاستاذة أوليانا بون التي رصدت التحولات التي مابرحت تطرأ على خيارات الناس في مضمار السفر والسياحة مع فواتح هذا القرن الحادي والعشرين. نتائج الاستغلال التجاري وفي مقدمة ملاحظاتها أن السائحين بدأوا يشعرون بقدر واضح بل ومتزايد من الاشمئزاز إزاء المواقع التي كانت تقليديا درة السياحة ومقاصد السواح.. كيف لا وقد سادت تلك المواقع روح الاستغلال التجاري وزادت فيها معدلات التلوث البيئي في البر والبحر والجو.. ناهيك عن حالات التكدس والإزدحام مما يتنافى بداهة مع ما يقصد إليه معظم السائحين - ولاسيما أجيال المخضرمين أو المتقاعدين من بيئات أخرى أكثر هدوءاً وأشد سكينة وأنقى من حيث الهواء والماء والجو المخيم والوسط المحيط هكذا بدأ الناس يزهدون فيما كان يطلق عليه في عقود قريبة ماضية اسم (السياحة الجماهيرية ـ ماس تورزم أو هي (سياحة الجملة) أو سياحة الجموع وهي التي كانت تغري السواح بأسعار الجماعات الزهيدة ومعدلاتها المتهاودة ولقد سرت هذه الإتجاهات الجديدة لحساب نوعية جديدة بدورها من السياحة والسفر وفي هذا السياق تقول (ليزا ماستني): اصبحنا بإزاء أعداد متزايدة من السائحين المزودين بمزيد من المرونة والاستقلالية بعد التخلص من أسلوب المجموعات بما ينطوي عليه ذلك من تجارب شخصية اضفت على الرحلات السياحية أسلوبا ينحو نحو سياحة الثقافة وسياحة الطبيعة في آن واحد معا وثمة دراسة أجريت على سواح الولايات المتحدة في أوائل عقد التسعينيات وجاءت نتائجها لتؤكد ما ذهب إليه الباحثون من تحولات طرأت على أذواق وخيارات السائحين: لقد ردت نسبة 20 في المئة من المستجيبين إزاء إستمارة الاستبيان الموزعة في نطاق الدراسة موضحين أنهم كانوا في سياحتهم ينشدون الشمس (وهي سياحة الدفء التقليدية من الشمال إلى الجنوب من العالم) في حين أن نسبة 40 في المئة منهم قالوا انهم اتخذوا قرار السياحة التماسا للمزيد من تعزيز وترقية نوعية الحياة التي يعيشونها (من حيث الهدوء ومتعة الطبيعة وسكينة الخواطر وراحة البال) ولم يكن بالغريب إذن أن المواقع التقليدية التي طالما تربعت لعقود من الزمن طيلة القرن الماضي على عرش السياحة العالمية بدأ يخبو بريقها وتضمحل جاذبيتها ـ مواقع كانت ولاتزال طبعا ملء السمع والبصر في أوروبا وأمريكا كانت تشكل أشد مناطق الجذب السياحي في العالم بدأت تنزل عن عروشها لصالح مواقع أخرى منبثة في هذا الركن أو ذاك من يابسة العالم ومحيطاته صحيح أن المواقع التقليدية الشهيرة ظلت مقصدا للزوار والسائحين ـ لكن الصحيح أيضا أن معظم هؤلاء الزوار والسواح يأتون من نفس المناطق التي تنتمي إليها أصلا تلك المواقع الشهيرة.. بمعنى أن مواقع أمريكا يقصدها الأمريكيون وكذلك الحال مع مواقع شتى من خريطة أوروبا. من أوروبا إلى أفريقيا وآسيا في الوقت نفسه تمضى الدراسات التي نحيل إليها كي تقول: إن اتجاهات السياحة الجديدة التي تنمو صوب مواقع ـ لم تكن معروفة من قبل من وإلى آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا هذه الاتجاهات نشأت وما لبثت أن تزايدت وبوتيرة سريعة في هذا الصدد يكفي أن نشير إلى أن نصيب شرقي آسيا والمحيط الهادئ من رحلات السياحة الدولية كان يشكل واحدا في المئة فقط لا غير من عام 1950 ثم ها هو وقد زاد ليبلغ 16 في المئة عام 2000 ومن المتوقع في عام 2020 أن تصبح منطقة شرقي آسيا والمحيط الهادئ هي أكبر مقصد لرحلات السياحة الدولية بعد أوروبا مباشرة بل يتوقع في مستهل عشرينيات القرن الحالي أن تحل الصين من حيث الأهمية والجاذبية السياحية محل فرنسا بجلالة قدرها وذيوع صيتها ومن ثم تتربع الصين ـ كما تضيف الدراسة الدولية ـ على عرش أكبر دولة يقصدها الزائرون في عالم الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين ونحسب أن الصين ستظل درسا صالحا ومستفادا لنا نحن اليعاربة من سكان الشرق الأوسط فضلا عن يعاربة المغرب والشمال الأفريقي وإذا كانت الدراسات التي نحن بصددها في هذا المبحث قد سكتت عن تفصيل أحوال السياحة وتوقعاتها في بلادنا العربية فإننا نستطيع الإفادة من ما حملته الينا هذه الدراسات من معلومات وتحليلات وتوقعات في مجالات تهمنا وتلامس ظروفنا، وفي مقدمتها مجال السياحة والنتيجة المستدامة ومجال السياحة والبيئة.. وإلى الجزء الثاني بإذن الله. ـ كاتب سياسي من مصر