اذكر عندما كنا صغاراً نتوق للتباري مع اطفال الحي ونظرائنا في الاحياء السكنية المجاورة في كرة القدم، وقد حدث ذات مرة ان دخل في المباراة شاب يكبرنا سنا ونصب نفسه هدافا، حيث أمر بأن تمرر الكرة إليه عند اقترابها من المرمى ليقوم هو بتسجيل الهدف. ولان فارق السن بين جيل الاطفال يلعب دوراً مهماً فقد تحقق له ما يصبو اليه، وأعطيت له الفرصة تلو الاخرى لتسجيل الهدف الا انه كان في كل مرة يخطئ المرمى فتخرج الكرة بعيداً ويعض الفريق بكامله اصابع الندم على الجهد الكبير الذي بذله من اجل تهيئة الفرصة السانحة. وبعد محاولات عدة باءت جميعها بالفشل، بلغ السيل الزبى وصاح به احدنا: طالما لا تجيد الركل فلماذا اخترت كرة القدم؟ هناك ألعاب كثيرة اخرى يمكنك ان تجرب نفسك فيها منها كرة السلة، كرة اليد، الكرة الطائرة، كرة المضرب.. وراح يعدد له الألعاب الرياضية التي تعد الكرة محورها وسط ضحكات الصغار وتعليقاتهم.. وبالفعل فإن هذا الموقف ينطبق على الكثير من الحالات في الحياة العامة التي يشغل اصحابها مواقع ليست من اختصاصهم، منها على سبيل المثال مهنة مقاولات البناء ومكاتب الاستشارة الهندسية، وهو قطاع على قدر عال من الأهمية، خصوصاً في دولة تشهد طفرة عمرانية واسعة النطاق، الا ان عقدة الاجنبي ما زالت تسيطر عليه، ودائماً ما يتوج فيه ذو البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين بصرف النظر عن خبراته، اذ لا يعامل هذا المهندس الاجنبي بما يتناسب مع قدراته وخبراته بل يتم تعيينه كخبير وان كان الغالب لا يفقه في حقيقته شيئاً من امور الهندسة. وأكاد اجزم في كثير من الاحيان بأن شبابنا المواطنين الذين تخصصوا وتأهلوا للعمل في هذا المجال هم اقدر وأكفأ على قيادة زمام الامور في هذا القطاع الحيوي أكثر من أي استشاري اجنبي، غير انهم غالباً ما يستبعدون من الوصول الى المواقع القيادية في شركات الاستشارة الهندسية خوفاً من إثبات جدارتهم اولاً، والكشف عن مكامن الضعف وسطحية الاستشاريين العاملين فيها ثانياً، وهو ما حدا بالكثير من الشباب المواطن ان يبدأ حياته المهنية في المؤسسات الحكومية، بعد ان طردته دوامة الصراعات الادارية في الشركات الاستشارية خارج اللعبة. وميدانياً فإنه وفق نظام العمل المتبع في بلدية دبي فإنه من المعروف ان رخصة البناء لا يتأخر استخراجها اكثر من اسبوع لبناء فيللا سكنية، ومن 3 الى 4 اسابيع لاقامة بناية من 20 الى 30 طابقاً، رغم ذلك فإننا نجد في التعامل اليومي ان بعض المعاملات يطول تخليصها الى ما يربو على العام، والحاصل ان البلدية تتحمل امام الرأي العام مسئولية تقصير بعض المكاتب الاستشارية عن استيفاء كافة المواصفات اللازمة قبل تقديم المعاملة، وذلك نتيجة جهل بعض الاستشاريين لأبسط قواعد العمل، مما حدا بها الى القيام بدور المراقب على اداء العمل في مواقع البناء، رغم انه امر غير متبع في الدول الاخرى باعتبار ان الاستشاري هو المسئول الاول عن المشروع. وعليه فإن الاستشاريين رغم رواتبهم العالية والامتيازات اللامحدودة التي يحصلون عليها من مؤسساتهم فإنهم يحصلون كذلك على التدريب الميداني والتأهيل المهني المتخصص في مواقع العمل ليتمكنوا من مباشرة اعمالهم بالصورة اللائقة، فكيف لهم اذن ان يتنازلوا عن مقاعدهم للأكفاء من المواطنين، ويبحثوا عن مهن تتناسب ومؤهلاتهم؟. darwish@albayan.co.ae