بين مجلة نيوزويك التي وصفتها بالمخاطرة وبين صحيفة لوموند التي وصفتها بالحكمة، نختار نحن الوصفين معاً ونجمع بينهما لنعت مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز بالمخاطرة الحكيمة. فمجلة نيوزويك الامريكية، حللت طابع المبادرة كمخاطرة باتجاه سلام حقيقي بعيد المنال، اي سلام دائم مؤسس على القانون الدولي والقائم على انهاء الاحتلال والقمع الاسرائيلي الذي ينتج عن الاحتلال ثم اعتراف العرب جميعاً بدولة اسرائيل في حال استجابتها للشرعية الدولية واعطاء شعب فلسطين حقوقه كأي شعب في الدنيا له ان يقرر مصيره بارادته وله ان يبني دولته الحرة المستقلة. اما الحكمة التي رأتها صحيفة لوموند الفرنسية في مبادرة الامير عبدالله فهي في الواقع متناسقة مع كل مواقف المملكة تجاه الاوضاع العربية والاسلامية والدولية من منطلق المنزلة المتميزة التي تحتلها المملكة في العالم العربي والامة الاسلامية والعالم بحكم موقعها الروحي والاستراتيجي والتاريخي وبحكم الامانة الحضارية التي تضطلع بها جيلاً بعد جيل. وهذه الحكمة تكمن في عنصرين اثنين: الاول ان مبادرة الامير عبدالله تسقط التعلة الاسرائيلية والقائلة بأن اسرائيل دولة محاصرة سجينة، عالم عربي وامة اسلامية يتربصان بها للقضاء عليها لو اتيح للعرب وللمسلمين القوة العسكرية على ذلك. فالسياسة الاسرائيلية توظف هذه الاسطورة لاستدرار عطف ومعونات المجتمع الامريكي والمجتمع الاوروبي واستطاعت ان تمتلك اعتى قوة ضاربة متفوقة تكنولوجياً ونوعياً عن كل دول المنطقة. وجاءت مبادرة الامير عبدالله لتكشف عن زيف هذه المزاعم وتؤكد للعالم بأن المملكة ووراءها دول الخليج والعالم العربي لا تحركهم جميعاً دوافع حقد ضد دين او شعب او دولة بل ان اعترافهم بدولة اسرائيلية في الشرق الاوسط له شرط اساسي وهام ولا مناص منه هو ان تصبح اسرائيل دولة عادية من الدول تحترم حقوق الشعب الفلسطيني وتنسحب من اراضيه وتكف عن مخططات ابادته ومزاعم الهيمنة بالقوة وبالقوة وحدها دون الحق. اما العنصر الثاني في مبادرة الحكمة فهو توجهها نحو المستقبل. فنحن نعيش عصراً اتسم بالعولمة بخيرها وشرها، وهو عصر يدعونا الى التمسك بالثوابت والمرونة في الوسائل لبلوغ الغايات فالعالم اصبح اتصالياً بالمعنى الكامل، اي انه تحول الى شبكة عملاقة من الاتصالات في كل مجالات حياة الانسان من سياسة وثقافة وتربية واعلام واقتصاد ومبادلات تجارية وعلاقات دولية ولا يمكن ان ننعزل فيه باستعمال لغة او منطق لا يفهمهما سوانا مهما كان ذلك المنطق سليماً وكانت تلك اللغة بليغة. فقد وظف الامير عبدالله قوة الاقناع المتجهة للمستقبل في لغة تقنع الرأي العام العالمي وهي لغة سهلة مفهومة تفي بابلاغ الرسالة للناس جميعاً: في امريكا او في الاتحاد الاوروبي او في الصين او في روسيا فاتحاً بذلك للمستقبل ابواباً كانت موصدة بسبب حوار الطرشان القائم على المسرح السياسي منذ عشرين عاماً والذي على ارض الواقع جعل العرب خاسرين لمعركة الرأي العام العالمي مهما كانت النوايا حسنة والجهود مبذولة. وقد لخص الامير عبدالله في مبادرته الحكيمة كل معاني حوار الحضارات التي نتعلق بها كمسلمين، مؤمنين بالتعايش السلمي بين بني البشر على شرط الندية والعدالة والابتعاد عن الجور والظلم والاشتراك في بناء السلام. وبفضل المبادرة الحكيمة، خصصت كبريات الفضائيات الغربية والصحف الامريكية والاوروبية تعليقاتها عن الحق العربي في فلسطين وعن براءة العرب والمسلمين من لوثة الارهاب وتم احراج الحكومة الاسرائيلية الراهنة بصفتها ضاربة عرض الحائط بكل المعاهدات والمواثيق الدولية ومعززة بدعم امريكي اصبح منذ الحادي عشر من سبتمبر دعماً اعمى لا يميز حتى المصلحة الامريكية العليا من المصالح التكتيكية التحالفية الظرفية الطارئة وبخاصة منذ صعود الرئيس جورج دبليو بوش الى الحكم في الظروف الانتخابية الصعبة التي نعرفها ونقلتها كل وسائل الاعلام في حينها. ثم ان المبادرة الحكيمة تأتي اليوم على خلفية عمليات التشويه الاعلامي الذي يصدر عن بعض الاجهزة الاتصالية ـ الامريكية غالباً ـ فتتولى المبادرة بالاعتراف اسقاط التهم الجائرة الموجهة للمملكة ولدول الخليج عموماً والمروّجة لاطروحة ان برامج التعليم الديني بالمملكة وبدول الخليج وان خيارات التمسك بهوية الامة هي العوامل التي تفرخ الارهاب، في حين ان واشنطن لا تجهل بأن الذي يفرخ العنف في حالاته اليائسة انما هو التخبط السياسي الامريكي الذي يساند الارهاب الاسرائيلي المتواصل الى اليوم دون رادع من اخلاق او من شرعة دولية. وعلى هذه الخلفية تأتي مبادرة الحكمة من المملكة ويأتي تأييدها الكامل من اقليم الخليج العربي ومن ابرز محطات العالم العربي والامة الاسلامية ليعطل آلية البهتان الصهيوني المتعجرف وحملاته المنظمة ضد المملكة.والمهم اليوم ان تظل هذه المبادرة رهاناً على السلام الحقيقي، اي فضحاً للسلام المزيف المفخخ الذي ترفعه اسرائيل تمويهاً وقناعاً لحرب ابادة معلنة. لقد اثبتت المملكة بهذه المخاطرة الحكيمة انها رائدة الامة في اعادة قراءة واقعها وتاريخها واعادة تقييم اولوياتها على ضوء التحولات السياسية والحضارية الكبرى التي تهبّ رياحها على العالم. فقد انخرطت المبادرة بذكاء في عملية اعادة ترتيب الحضور العربي على الساحة الدولية، لا كما كان من قبل بالخطب الرنانة والضجيج المهيج للعواطف، بل بمراعاة القوى الجديدة والمستجدة والتي توجه الرأي العام العالمي. وعسى نشهد في قمة العرب القادمة المزيد من التأييد والنصرة لمواقف المملكة المشرفة والتي اخذت في اعتبارها مصالح العرب جميعاً ووضعت على قمة اهتماماتها جوهر قضيتهم الاولى: قضية فلسطين وموقع القدس منها هو موقع القلب. ـ استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر ahmed2701@hotmail.com