متى يبلغ الوجود العسكري الامريكي في افغانستان نهايته؟ ربما كان أقرب الى الدقة أن نقول ان الوجود العسكري الامريكي المتعلق بشن الحرب الامريكية في أفغانستان لا يقتصر على الأراضي الافغانية، فقد امتد الى باكستان وأوزبكستان وطاجيكستان. ومع مرور كل يوم تتجدد الشواهد بأن القوات الأمريكية جاءت الى جنوب آسيا ووسطها لتبقى الى أجل غير مسمى. فذريعة «مكافحة الارهاب» تنطوي على ما لا يحصى من المبررات القابلة للتجديد. داخل افغانستان نفسها يتخذ الوجود الأمريكي شكل احتلال عسكري صريح بكل ما يعني من نفوذ سياسي واداري وأمني. وبينما يقتصر الوجود الأمريكي في باكستان على الجوار عبر الحدود على نشاط استخباراتي وأمني لا يرى بالعين المجردة، فإنه وجود محسوس لدى الشارع من خلال طلعات ونزلات رجال وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي. أما في أوزبكستان وطاجيكستان فإن الولايات المتحدة اتخذت لها قواعد جوية وعسكرية. لقد أعطت أمريكا الشعب الأمريكي والعالم لدى اتخاذ قرار التدخل العسكري في أفغانستان في أعقاب أحداث سبتمبر انطباعاً بأنه تدخل استثنائي مرهون بمهمة محددة ومحدودة تطوى بعدها صفحة التدخل لتعود القوات الأمريكية من حيث أتت وتغادر الفرق الاستخباراتية باكستان وتصفى القواعد في آسيا الوسطى. وعلى هذا النحو كان الهدف المعلن للمهمة الاستثنائية هو الاطاحة بحكم طالبان في أفغانستان ومن ثم تدمير تنظيم «القاعدة». لكن ما جرى ويجري الآن بعد اسقاط النظام الطالباني وتشتيت صفوف «القاعدة» يوحي بأن المهمة الامريكية لم يكن مخططا لها أصلا أن تكون ذات طبيعة طارئة ومحدودة. فبدلاً من ان تكون تصفية حكم طالبان وتدمير تنظيم «القاعدة» إيذاناً بعد تنازلي للوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي، فإن الشواهد التي تتواتر يوميا لا تفيد إلا بأن الامريكيين يعتزمون ترسيخ هذا الوجود ليتخذ صفة الديمومة. وبالطبع أدركت ادارة بوش ان إحداث هذا التغيير في طبيعة المهمة يتطلب ابتداع تبريرات جديدة من أجل تسويغ هذا التغيير أمام الرأي العام الأمريكي والرأي العام العالمي.. فما هي هذه التبريرات؟ في مقدمة ذرائع ادارة بوش لتبرير الابقاء على الوجود الأمريكي في جنوب آسيا ووسطها الايحاء بأن المهمة التي من أجلها شنت حرب ضارية لم تنته كما يبدو من ظواهر الأمور. فبالرغم من ان نظام طالبان لم يعد له أثر في المسرح السياسي الأفغاني إلا ان القوات الأمريكية لم تستطع بعد الظفر بزعيمه الملا محمد عمر. وكذلك الحال بالنسبة الى تنظيم «القاعدة».. فأسامة بن لادن لايزال طليقاً ومجهول المكان. وفي باكستان وأوزبكستان وطاجيكستان لاتزال المنظمات الاسلامية «الارهابية» التي تهدد الأنظمة الصديقة في هذه البلدان تمثل خطرا كامنا رغم انزوائها من المشهد العام. ويستمر ضخ الذرائع والتبريرات على صعيد آخر، فالمئات من المعتقلين في معسكر جوانتانامو من المنتمين الى طالبان و«القاعدة» مازالوا يخضعون لعمليات «استجواب» لن تنتهي قريباً قطعاً. وحتى لو انتهت، ماذا يكون مصير المعتقلين اذا لم تسفر عمليات الاستجواب عن أدلة قاطعة لتقديمهم الى محاكمات؟ هل يطلق سراحهم أو سراح بعضهم وهم «أخطر الأشرار في التاريخ» كما نعتهم وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد؟. ويتواصل ضخ التبريرات والذرائع على صعيد ثالث هو الجبهة الداخلية الامريكية، فمن حين لآخر يتجدد التهديد «الارهابي» كلما تبلورت حالة استرخاء أو اطمئنان بين قطاعات الشعب الامريكي قد تفرز تساؤلات عن متى تنتهي الحرب على «الارهاب». وأحدث صيحة في هذا السياق الجنوني عندما صرخ بوب جراهام رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ قائلا ان ما لا يقل عن مئة عنصر من تنظيم «القاعدة» موجودون داخل الولايات المتحدة! وهكذا يراد لمكافحة «الارهاب» ان تبقى بلا نهاية وبأجندة أمريكية صرفة، ولكن ما الضمان ان استمرار الوجود الأمريكي الاستفزازي في جنوب ووسط آسيا لن يؤدي بمرور الأيام الى تنامي رد فعل تفجيري شامل من المنظمات الاسلامية هناك؟