سيظل قدر وزارة التربية والتعليم ان تكون الجهة الأكثر نصيباً في سيل الشكاوى التي ترد عليها، ذلك انها المؤسسة الأكثر تلامساً مع كل فئات المجتمع: معلمين وطلبة وأولياء أمور، ومهتمين بالشأن التربوي والتعليمي، وطالما ظلت فلسفة التعليم غائبة عن أذهان هؤلاء، فإن التدهور سيزيد، والشكاوى ستبقى، برغم كل مقولات الخبراء والخطط بعيدة المدى التي لم تهل علينا خيراتها بعد. فصباح أمس الثلاثاء، انتهت اجازة العيد، ومن المفترض ان يكون كل طالب في مدرسته الا من منعه عذر قاهر مقبول، وان يكون كل معلم مستعداً لخوض غمار يوم تعليمي جديد خلال العام المدرسي، ولكن وكعادة الطلاب عندنا فإن حالات الغياب لابد ان تسجل أعلى معدلاتها في الأيام التي تسبق اجازة، أو تعقب اجازة رسمية أو دينية في البلد، وعلى ذلك فإن يوم الأمس سجل معدل غياب (محترم) في مدارس الدولة لأنه اعقب اجازة العيد! الطامة الكبرى تكون عندما ينتظم الطلاب في مدارسهم بعد الاجازة، وتقوم بعض المدارس باعادتهم الى منازلهم، وهذا ما حدث بالأمس في بعض مدارسنا ومن قبل بعض اداراتنا المدرسية الموقرة، ما جعل الأهالي يضجون بالشكوى خاصة أولياء الأمور الذين ارسلوا ابناءهم وبناتهم الى مدارسهم وتوجهوا هم الى أعمالهم، ثم فوجئوا بهواتف أبنائهم تفيد بأنهم لوحدهم في المنزل لأن المدرسة اعادتهم!! لماذا تعيد المدرسة الطلاب الى بيوتهم في بداية الدوام المدرسي؟ ومن أعطى الادارات المدرسية هذا الحق؟ البعض يقول بأن أعداد الطلاب والطالبات في كل فصل لم تتجاوز عدد أصابع اليدين، وعليه فالمعلمات والمعلمون يرفضون الدخول للفصول لشرح دروس سيضطرون لاعادتها ثانية للطلاب المتغيبين، ولذلك يفضلون عدم الشرح حتى يكتمل نصاب الطلاب في اليوم التالي أو الذي يليه!! فهل هذا منطق؟ هل أصبح الخضوع للخطأ السائد منطقاً تتعامل معه الادارات المدرسية بخطأ أكبر منه؟ اذن فأين الحزم والمعالجة السليمة للمواقف، وأين المتابعة؟ وأين مبدأ العقاب والثواب وفقاً للخطأ والصواب؟ لقد قامت الادارات المدرسية التي أعادت الطلاب الى منازلهم بتصرف خاطئ، اذ انها كافأت المخطئ (وهو هنا الطالب المتغيب بدون سبب) وعاقبت المحسن (وهو هنا الطالب الملتزم بدوامه المدرسي) مما سيولد حالة احساس بالتفوق عند الطلاب المخطئين على زملائهم وعلى ادارة المدرسة، وسيشعرهم انهم أصحاب نفوذ ولهم قدرة ضغط قادت لاتخاذ قرار لصالحهم، بأن عممت الادارة خطأهم على الجميع، وساعتها لن يشعر هؤلاء بحجم الخطأ الذي ارتكبوه، ولن تستطيع الادارة المدرسية اشعارهم به أو معاقبتهم عليه، لأنه لو كان خطأ لما قامت الادارة بتعميمه ومحاكاته، اذن فالادارة قلدت سلوك الطلاب المتغيبين وفرضته على الطلاب الملتزمين، فصار الخطأ صواباً والصواب جريمة.. ولا عزاء للملتزمين المخلصين!! هذا هو المفهوم الذي سيستقر في وجدان هؤلاء الطلاب الذين اعيدوا الى منازلهم، وهذا مفهوم خاطئ جداً وتنشئة الجيل عليه من أكبر المآسي التي ستنعكس مستقبلاً على أعمالهم وأدائهم لوظائفهم وعلاقاتهم بمؤسساتهم وحتى بوطنهم. واضافة الى كونه مفهوماً خاطئاً فهو يزيد من حجم مأساة دوام الطلاب المتآكل عندنا في الامارات، فالطالب هنا وعلى لسان معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التعليم العالي يمضي اقصر مدة دوام مدرسي على مستوى العالم حيث لا يتجاوز دوامه 130 يوماً في العام بينما يفترض ان يكون الحد المقبول عالمياً لدوام الطلاب على مستوى الدول المتقدمة 180 يوماً! فهناك هدر كبير، وتعامل غير جدي مع التعليم والمدرسة من قبل الكثيرين ولدته ظروف ومفاهيم كثيرة، وهذه الظاهرة التي نتحدث عنها أحد هذه المفاهيم التي تحتاج لوقفة حازمة من الوزارة ومن المناطق التعليمية.