رستون عقل اقتصاد بارز في امريكا وله بحوث ومؤلفات في مسألة افول السيادة في العالم نتيجة انفتاح افراده على المعلومات الثمينة التي كانت تخزنها الدول، وتعتبرها من الاسرار العليا نتيجة التطور التقني الهائل في وسائل الاتصال، ويتحدث رستون كثيرا وهو الذي احتل مناصب مهمة عدة في امريكا حول ما ستفعله شبكات الاتصال في فتح بوابات الاقتصاد والتجارة امام صغار التجار وعمالقتها، وكيف سيفرم صاحب المعلومة رأس مفتقدها. هنا فقرة ثمينة في كتابه افول السيادة يصور فيها كيف يكون رأس المال الفكري هو رصيد متحرك في العالم، عابر للبلاد وللحدود وكيف انه اخطر من أي نوع من رأس المال، يقول رستون: «ان اهم سوق في العالم هو سوق رأس المال الفكري واكثر انواع رأس المال تحرراً من القيود الوطنية لانه عالمي اساسا، ويكاد يكون محصنا من القيود الوطنية، انه يذهب حيث يكون مطلوبا ويبقى حيث المعاملة الحسنة ويتضاعف حيث يسمح له بالحصول على افضل العوائد، والدول التي تحترم حرية رأس المال الفكري وتتكيف له تبعا لذلك ستزدهر في الاقتصاد العالمي، اما الدول التي تتخيل انه يمكن استبعاد او تذليل هذا الشكل الاقوى من رأس المال فانها ستذوي». رستون هنا يشير الى القوة الفكرية الثمينة التي يمكنها ان تحرك أي رأس مال لأية امة، ويشير الى ان الاقتصاد العالمي وشروط لعبته المرحلية القادمة تتطلب من الحكومات التي تريد ان تكون في ثوب الاقتصاد العالمي ان تحرك عقول اقتصادييها للعمل وتطلق عنان الافكار طالما ان التجارة العالمية قد اغلقت الحدود وكورت العالم في راحتها. في العالم العربي، هذا العالم الذي ينام على ثروات غالية وهائلة، فيها التي استثمرت وفيها التي ما زالت بكرا لم يمسسها بشر، هناك عقول وخبرات تشكل لبنات كبيرة لرأس مال فكري عربي لكنها لبنات مبعثرة، ومازالت افكار وجهود الحكومات العربية عاجزة عن تكوينها كجدار امني لثروات امة العرب، لهذا يتخبط المال العربي في غربته شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولهذا ترحل الرساميل العربية بعيدا عن موطنها لتكون عرضة دائمة لاي هزة. في المؤتمر الذي تستضيفه دبي في العشرين من مايو المقبل تحت عنوان «آليات اقامة المشاريع المشتركة العربية الخليجية» محاولة جادة للوقوف على الاخطار والتحديات التي تواجه الاقتصاد العربي، وهناك عدة اسئلة جريئة وصريحة ومهمة يطرحها المؤتمر على ضيوفه للوقوف على اسباب عدم وجود تكاملية في وجهات النظر حول اقامة المشاريع العربية الخليجية المشتركة. ونعتقد ان اهم سؤال جوهري سيطرحه المؤتمر عن مدى توفر الارادة السياسية الصادقة المؤمنة بجدوى العمل العربي المشترك، وسؤال اخر يتبع الاول حول معوقات المشروعات العربية المشتركة وكيفية تذليل الصعوبات التي تهدم احلامها. اضافة الى جملة اسئلة نرى ان الاجابة عنها بصراحة عالية وبتجرد من الحساسيات ستعطي صورة واضحة للضياع والشتات اللذين يعيش في ظلهما رأس المال الفكري العربي. نأمل الا يمر هذا المؤتمر الحساس مرور الكرام، فدولاب العولمة الاقتصادية سيطحن البيضة والدجاجة معا لا محالة!