مدينة العين تلك الساكنة في خاصرة الامارات في أقصاها، حيث واحات النخيل الغناء الممتدة على المدى اللامتناهي، تلك المدينة التي تفخر بثلاث قامات ضاربة جذورها في عمق الأرض ممدودة جباهها في عنان السماء. الأولى قامة كل نخلة من نخيلها الباسقات الشاهدات على تاريخ الانسان فيها، تلك النخيل اللواتي لو تحدّثْن لقلن نشهد ان أهل هذه الأرض عرب أقحاح أخلصوا لها إخلاصاً لا مثيل له حتى انهم لم تهن عليهم ان يتركوها غبراء جرداء فحفروا باطنها لا ليشربوا وتظمأ هي بل ليستقوا ويسقوها ويزرعوا ظاهرها نخيلاً يبقى دليلاً على حبهم لها، وليس كالنخل اعماراً للأرض ودليلاً على حب الانسان لها. والقامة الثانية التي خرجت من العين ومن أرضها كانت وارفة الظلال كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي قامة «زايد» ذلك الذي ان شئت شبهه بالغمامة التي خرجت من سماء العين فذهبت شرقاً وغرباً كديمة هتّانة تسقي كل أرض تمر بها، ذلك الرجل الذي على يديه ولدت الامارات دولة تزدان كل يوم جمالاً وحسناً، وكل ذلك بجهد زايد الذي ملأ الأرض حباً وعطاء دليلاً على عرفانه لأفضال مولاه العلي القدير وشكره وحمده لعطائه الجزيل فكان عطاء يمينه تشبّها بعطاء خالقه. أما القامة الثالثة فهي قامة جبل حفيت عَلَمُ مدينة العين القائم في شرقها، تخرج من ورائه الشمس مشرقة ضاحكة كل صباح تطل على وجوه أهل العين ضاحكة مستبشرة، وجبل حفيت جبل منيف يلوح لكل مار بالعين وكأنه أنف يلوح في وجهها الجميل، انه عَلَمُ مدينة العين وجار عينها المتدفقة الجميلة «العين الفايضة»، وسل عن جبل حفيت كل من درس في جامعتها العتيدة التي مرت بها منذ سنة ألف وتسعمئة وسبع وسبعين أكثر من أربعة أفواج من أبناء الامارات الذين درسوا فيها ولابد ان لكل منهم ذكرى او خاطرة مع جبل حفيت، هذا الواقف شاهداً على تلك الأجيال الواردة الى العين الصادرة عنها، ولقد عهدنا ذلك الجبل الشامخ منذ عشرين سنة وهو واقف بين جنوبها وشرقها مهيباً ساحراً رغم وعورته وقلة مائه ونباته إلا أنني فوجئت حقاً به وقد بدأت سفوحه تخضر بعد عشرين سنة، فما اندهشت وقد علمت ان ذلك بعض «ندى زايد» وسحائب كرمه وعطائه التي أبت الا ان تسقي سفوحه وتجعل منها منتجعات خضراء يلوذ بها الناس من جفاف الحياة وتجهمها. ولجبل حفيت سحر خاص عرفته منذ زمن بعيد منذ كنت طالباً في جامعة العين حين كنت ألوذ به بين الفينة والأخرى مساء ومنذ أن اكتشفت ان يد زايد امتدت إليه وخطت فيه طريقاً سهلاً يقودك الى قمته الشماء حيث ترق النسائم، وحيث يمكنك ان تطل من فوقها على مدينة العين الساحرة مساء خصوصاً اذا غابت الشمس وبدأت انوار المدينة تلوح لعينيك شيئاً فشيئاً وكأنها غادة حسناء تتقلد الأنوار لآلئ في جيدها الغض، ومنذ ذلك الحين وأنا عاشق لهذا الجبل الذي يتيح لك ان ترى «العين» رؤية العين و«العين» كذلك ترد له ذلك المعروف فتتيح لك ان تراه ليلاً مرصعاً بأنوار طريقه الصاعد الى قمته وكأنها قلادة تتلوى على جيد قامة هيفاء. ولكم أهاج حفيت كلما زرته ذكريات حساناً فكان لابد من أن أقول: في حفيتٍ وقفتُ أهدي الليالي ذِكرياتٍ لما يَزَلْنَ ببالي يومَ كُنّا على حَفيتٍ هوانا يتباهى كشامخاتِ الجبالِ يوم كانَتْ قلوبُنا خافقاتٍ بالهوى الغَض والمُنى والخيالِ في صِبا العُمرِ للشبابِ وُجوهٌ نِضِراتٌ كَنَيراتِ اللآلي يا زماناً مضى وكم من زمانٍ مَرّ بالروحِ سالباً كُل غالِ الصباحاتُ فيهِ كانت صِباحاً عَطِراتٍ بأمنياتٍ غوالِ والعَشِياتُ كُنّ شعراً فَلَأْنَ من رُؤانا كُؤوسَهُ في جَلالِ أين مِنّا دفاتراً كم كتبنا ومحونا بها حكايا الجمالِ كان عهداً بِهِ عهدنا الليالي مُقْمراتٍ فأين تلكَ الليالي