نشأة الصهيونية واتساعها في أجواء حمى القوميات (2 ـ 4)، الصهيونية ليست وليدة القرن التاسع عشر، بقلم: عبدالكريم محمد

الصهيونية ليست وليدة القرن التاسع عشر نتيجة الاضطهاد الذي عانى منه اليهود ،كما يحلو القول لبعض المؤرخين ؛بل كفكرة كانت راسخة في عقول المسيحيين ،بتأثير العهد القديم ،ثم تحولت إلى دعوة ،أخذ بها مؤسسو الصهيونية ، وأضحت فيما بعد حركة اجتماعية واسعة ،على صعيد مؤسسات دينية ،وأجهزة إعلامية ،ومؤتمرات دولية ،ومحافل أممية والدعوة والحركة اعتمدتا على الفكرة الراسخة في العقول بتأثير الكتب الدينية المختلفة ،وقد برزت على أثر هذه الأفكار حركات دينية متصهينة ،هي أشبه بالحركات الباطنية ،ظاهرها مبادئ إنسانية ،كالإخاء والمحبة والمساواة والحرية أو التقشف ونبذ حطام الدنيا كشهود يهوه ،والسبتية ،والمتجددين وباطنها حركات سياسية واجتماعية ،تعمل على خدمة الصهيونية وتحقيق أهدافها فكانت العودة إلى «أرض الميعاد» وبناء الدولة اليهودية ،واعادة تعمير هيكل سليمان الرسالة التي حملوها ،ويحملونها في وجدانهم ومجالسهم وكتبهم وتبشيرهم. حتى أن الفكر البروتستانتي الاسترجاعي عمم منذ البداية فكرة مفادها أن «صهيون لم تكن مجرد أضغاث أحلام: لقد كانت تحف بها قلوب المؤمنين في شتى أنحاء العالم». ولقد رسخت هذه الفئة - البروتستانت - بالأذهان ،أن اليهود بعودتهم إلى فلسطين إنما يعودون إلى بلدهم والعهد القديم يؤكد بنبوءاته المتعددة على هذه العودة ،ويقولون: (إن الله اختار هذا الشعب ،ووعده بالأرض، وبعد السبي والتشتت ،وعده بالعودة إلى أرض الميعاد). فعودة اليهود إلى فلسطين ،واقامة دولة يهودية ،هو تحقيق لوعد الله ونبوءات الأنبياء، حيث اعتبر التوراة وجميع الكتب التي دارت في إطارها بشكل تفاسير وشروح ،كانت هي القاعدة الفكرية عند اليهودي ،وجميع الفرق والحركات المسيحية المتهودة تتركز عليها وتنطلق منها جميع اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية ،ولا بد من القول أنه كون التوراة كتاب البروتستانت المقدس من ألفه إلى يائه مع الإنجيل ،وهو الكتاب الذي يسمونه بالبشرية من مملكة الأرض ،إلى مملكة السماء ليصوغ في الأرض مملكة تناظر السماء. هذه العلاقة القائمة على مماثلة قداسة بين التوراة والإنجيل ،والمتجذرة بعمق إيماني في صدور البروتستانت ومشاعرهم الدينية ،وطقوس عبادتهم ، هي في أصل الكيان الديني والسياسي لإسرائيل دولة في فلسطين ،حتى ليمكن القول إن الصهيونية متلبسة بالدين اليهودي قد احتلت من المسيحيين القلوب والمشاعر قبل احتلالها الأرض ،فبوعي ديني مسيحي نشأت الصهيونية اليهودية ،ونمت ،واحتلت ،حركة سياسية عنصرية طاغية في إطار عقيدة دينية لها في مشاعر المسيحيين في الغرب والشرق بعد توراتي مقدس. القاعدة البروتستانتية إ ن العلاقة الموسومة بسمة القداسة بين التوراة والإنجيل - البروتستانتي - هي القاعدة الروحية والفكرية لتهود الغرب المسيحي، منذ نشوء النصرانية لقد تلامح هذا التهود في كنيسة العبادة وفي البيت العائلي وفي المدرسة ،حيث التوراة قبل الإنجيل ،مستقى الأمثال والتجارب ،والأخلاق من حب وبغض ،من رضا الله على هذا الشعب ،وغضبه على ذاك فهو يحرم هذا ،وينعم على ذاك ينصر ذاك ويهزم هذا ،فيتماهى عيسى في موسى ،و«يهوه» التوراة في إله الإنجيل. هذه الملامح هي في الأناشيد الدينية ،والصلوات الطقسية والنوافير ،فهنا هارون ونجوره والاحسان إلى صهيون وبناء أسوار أورشليم، وقد تنبأ المسيح بنقضها حجراً حجراً والمذابح والعجول وهلم جرا. إذاً لقد استفاد البروتستانت من الشراكة في المبادئ لتسخير اليهود في خدمتهم من جانب ولتلبية معتقداتهم من جانب آخر ، ولعل أكبر المستفيدين في تلك الحقبة من المشروع هي انجلترا (البروتستانتية)، التي كانت أكبر قوة استعمارية ،خصوصاً في القرنين الثامن والتاسع عشر ومرتعاً للأفكار الاسترجاعية ،ولعل أهم الصهاينة غير اليهود في بريطانيا الكولونيل جورج جاولر (1869 ـ 1796) ، الذي كان يعمل في وقت ما حاكماً لجنوب استراليا والذي ظل لفترة طويلة ينادي بإعادة استيطان اليهود في فلسطين لحماية خطوط الاتصال بين أنحاء الإمبراطورية وكان الاسترجاعيون شأنهم في هذا (شأن الصهاينة فيما بعد) ،يقدمون وجهة نظرهم دائماً على أنها تستند إلى رؤيا مقدسة للتاريخ فجاولر كان يرى أن العناية الإلهية ذاتها هي التي وضعت كلا من سوريا ومصر في الطريق بين انجلترا وبين أهم المناطق الاستعمارية والتجارية الخارجية البريطانية. وبما أن الأسطورة الدينية تتكيف مع الواقع الاقتصادي والتاريخي ،فإننا نجد أنها تتحول من مجرد فكرة دينية تؤكد على عودة اليهود إلى فلسطين لتحقيق النبوءة الإنجيلية لتصبح برنامجاً استعمارياً يؤكد على عودة اليهود الاستيطانية لفتح الأسواق دون تأكيد مسألة الهداية والتنصر. إذاً كان الاسترجاعيون ينظرون إلى اليهود على أنهم جماعة دينية يمكن تنصيرها ،ولكنهم في نفس الوقت ،كانوا ينظرون إليهم -أيضاً - مجرد جماعة يمكن توطينها في فلسطين أو في غيرها من الأماكن لخدمة المصالح الاستعمارية وكانت فلسطين هي الأرض المقدسة ،أو «أرتس يسرائيل»، ولكنها في ذات الوقت أرض تقع في قلب المنطقة العربية وفي قلب الإمبراطورية العثمانية شاءت الإرادة الإلهية أن تقع على الطريق المؤدية إلى الهند ،فالأسطورة البروتستانتية كانت ترتدي زياً دينياً مثالياً ،كما كان لها بعدها السياسي في الوقت ذاته. وقد فسر الصحفي والكاتب الصهيوني البولندي ناحوم سوكولوف (1931 ـ 1859)في كتاب تاريخ الصهيونية تعاطف بريطانيا وتفهمها للحركة الصهيونية على أساس بعض الأسباب النبيلة مثل الطابع الإنجيلي للشعب الإنكليزي (وما أسماه) بالإنجيل في الأدب الانجليزي علاوة على الحب الذي يكنه الشعب الإنجليزي لفلسطين بالمعنى الإنجيلي أيضاً. ثم أضاف سبباً رابعاً ومهماً سماه «السياسة الإنجليزية في الشرق الأدنى دون أي ذكر للإنجيل هذه المرة»، وعلى الرغم من أن سوكولوف اعترف بالأبعاد الاستعمارية لتعاطف بريطانيا مع الصهيونية ،فانه لم يبرز الجانب السياسي وشدد على الجانب الرومانسي في العودة فحسب. أما البعض الآخر والذي يمثل الشق الديني في المشروع فقد اعتبر أن نبوءات العهد القديم قد بدأت بالتحقق ،فقد قال حزقيال في إحدى نبوءاته «هكذا قال السيد يهوه عندما أجمع بيت اسرائيل من الشعوب الذين تفرقوا بينهم ،وأتقدس فيهم أمام عيون الأمم يسكنون في أرضهم التي أعطيتها لعبدي يعقوب (528) وأقيم عليهم راعياً واحداً فيرعاها عبدي داوود هو يرعاها ،وهو يكون لها راعياً وأنا يهوه أكون لهم إلها، وعبدي داوود رئيساً في وسطهم (1234)، ذلك ما يقوله الصهاينة ففي عام 1895 قال الحاخام جودمان لهرتزل «كأنني أرى موسى بلحمه وعظمه ربما كنت ذاك الذي اصطفاه الله». زعماء المسيحية المتهودة أما زعماء المسيحية المتهودة فهم أعظم تأكيداً وأشد إيمانا بأن النبوءات تتحقق ،أو هي في الطريق إلى الواقع الحق فالقس وليم هتشلر الذي استحوذت على عقله نبوءة حزقيال ،بعدما فرغ من قراءة كتاب هرتزل «الدولة اليهودية» اقتحم مكتب هرتزل وقال: «أنت هو الذي كنت أنتظره أنت المسيح المنتظر». نموذج آخر من أرباب المسيحية المتهودة ،هو الأب اغناتيوس 1837-1908 ،الذي تحمس للصهيونية وكان يتحدث دائماً عن بعث مملكة يهودا ووصف هرتزل بقوله: «هو يشوعكم الجديد الذي جاء لتحقيق نبوءة حزقيال ،إن الصهيونية هي تحقيق لكلمات حزقيال النبي واليهودية هي الصهيونية ،والصهيونية هي يهودية الله. هؤلاء رأوا في هرتزل موسى جديداً أو يشوعاً آخر ،أو المسيح المنتظر ،أما هرتزل نفسه فقد أحس أن في أعماقه يرقد نبي قد يكون موسى وقد يكون المسيح. وبالعودة إلى القس هتشلر الذي جاء بصحبة هرتزل إلى مؤتمر بال بسويسرا عام 1897 ،معتبراً نفسه سكرتير «المسيح المنتظر» هرتزل وطالما كان يردد في الاجتماع «يحيا الملك، يحيا الملك معتبراً «مسيحه» هرتزل ملك الملوك وقد قال في إحدى مقالاته : «استفيقوا يا أبناء إبراهيم فالله يدعوكم للرجوع إلى وطنكم القديم ،ويريد أن يكون إلهكم». وقد بشر اسرائيل ،حسب فهمه للتوراة ،وتفسيره لنبوءتها ،بأنها ستعود إلى فلسطين قبل عودة المسيح الثانية الذي يأتي ملكاً مجيداً «يهودياً» يتربع على عرش القدس ويحكم العالم من هناك ،ملكاً للملوك وفي عام 1884 أصدر كراساً بعنوان «إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب ما ورد في أسفار الأنبياء» ،وهو يرى أن عودة اليهود إلى «أرض الميعاد» قد بدأت بالفعل ويؤيد هذه الرؤية بآيات من العهد الجديد أخرجها بالتفسير والتأويل عن مدلولها الظاهر فإذا تعني ما يجول في فكره ،وتوافق هواه قال إن بعض نبوءات المسيح قد تحققت منذ قديم الزمان مثل الآية «ملوك الأمم يسودونهم ،والمتسلطون عليهم يدعون محسنين» لوقا 22. والآية: «ويعقوب بفم السيف ،ويسبون إلى جميع الأمم ،وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمن أزمة الأمم» لوقا21. أما النبوءات الأخرى فقد طبق عليها حسابات تنبئية غربية إن دلت على شيء ،فإنما تدل على مدى تأثير مدرسة الشرح والتأويل اليهودية في الديانة المسيحية ،وتحويلها إلى مسيحية متهودة. فقد جاء في رؤية يوحنا قوله: «وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهراً وسأعطي لشاهدي فيتنبآن ألفاً ومئتين وستين يوماً. الضمير في سيدوسون يعود إلى الأمم فكانت حسابات هتشلر على النحو الآتي: يعتبر اللاهوتيون أن الشهر النبوي يساوي ثلاثين يوماً نبوياً وأن اليوم النبوي يساوي سنة فإذا ضربنا اثنان وأربعين في ثلاثين حصلنا على ألف ومائتان وستون يوماً نبوياً أو سنة واعتبر هتشلر دخول عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) إلى القدس سنة 637 م هو بداية دوس الأمم للمدينة المقدسة فإذا أضفنا 1260 سنة إلى 637 سنة كانت لدينا سنة 1897 م نهاية دوس الأمم ،وبدء عودة اليهود إلى «سابق عزهم ومجدهم»، وكانت مقولات القس هتشلر الصهيوني ،تكرر دائماً على مسامع هرتزل مثل قوله «لقد مهدنا السبيل لك». وتظهر صهيونية القس الإنجيلي في حمله لخريطة فلسطين ،وقوله لهرتزل «يجب أن تكون حدودنا الشمالية جبال كبادوكا ،والجنوبية قناة السويس وشعارنا فلسطين داوود وسليمان». ولم يسقط القس هتشلر من مشروعه المركب اهتمامه بيهود أوروبا الشرقية ،بل قضى جزءاً من حياته في مساعدتهم ،بجمع المال والتبرعات للهجرة إلى فلسطين ،واستيطانها بحماية بريطانيا: لذلك قلما تجد مؤلفاً صهيونياً لا يتطرق إلى هتشلر فيما وصف بهذه المؤلفات الصهيونية بأنه «حبيب صهيون المسيحي». معتبراً أن بهذا العمل قد يحقق تنبؤات أشعيا وأرميا وعاموس وميخا وزكريا وحزقيال ونحميا وعزرا ،الذين لهم أثر بالغ في نفوس المسيحيين المتهودين وحملوا المشاعل في الدعوة الصهيونية ،ورفعوها في كل الوجوه ،ولوحوا بها فوق منابر العالم فكثير من مسيحيي الكنيسة الغربية البروتستانتية، قد آزروا الصهيونية، لاعتقادهم بأن نبوءات التوراة حول عودة اليهود إلى فلسطين ،واقعة حتماً ،ولذلك قال وايزمان «إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا ،بإنشاء الوطن القومي اليهودي ،هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة». بريطانيا المتهودة وقد لا نخطئ الظن إذا قلنا إن بريطانيا البروتستانتية «المتصهينة»، بفعل صهيونية التوراة ،التي تشربوها من المهد إلى اللحد ،والتي وجهت سياستها لخدمة الصهيونية وتحقيق مآربها ،وقد ظهر اهتمام بلفور باليهود قبل ظهور الصهيونية الهرتزلية (وكان من أثر اهتمامه البالغ بالفلسفة اليهودية ،أن رأى الدين والحضارة المسيحية ،يدينان لليهودية) ولعل هذا الاهتمام يعود كما تقول ابنة أخته ،إلى دراسة أمه للعهد القديم والى تربيته السكوتلندية ،وطالما كان رفاقه يرونه غارقاً في سفر أشعيا يتغنى بالشوق ممضي إلى «أرض الميعاد» وكان يرى في اليهود شعباً منفياً ،وأنه من الواجب إعادتهم إلى وطنهم. رب سائل عن السبب الكامن وراء تعاطف الشعب الأمريكي الكبير والخاص أيضاً باليهود!! فالإجابة سهلة لا تحمل الكثير من اللبس أو الغموض لان أكثرية الأمريكان هم من الطائفة البروتستانتية وهي صاحبة السلطة الفعلية في الولايات المتحدة ،وغالبيتهم من المتأثرين إلى حد بعيد لنبوءات التوراة ،التي تنادي «بعودة اليهود إلى فلسطين» حتى أن رجال الكنيسة البروتستانتية أخذوا منذ وقت مبكر يؤيدون وبتشدد ما سمي بالقضية اليهودية ففي عام 1945 وقع نحو خمسة آلاف قسيس مذكرة رفعوها إلى الحكومة الأمريكية ،طالبين فيها فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية. والحقيقة التي لا بد من التطرق لها ،أن غالبة سكان البلدان الجرمانية والانكلوسكسونية ،خاصة البروتستانت وجميع الفرق المنشقة عنها أو المتحدرة منها ،قد نشأوا في تواصل روحي حميم مع التوراة ،مما ولد في نفوسهم عطفاً على الصهيونية فالسياسي الإنكليزي لورانس أوليفانت صاحب كتاب «أرض جلعاد»، 1880 ،هو من أبوين إنجيليين استوطن حيفا ،ومات فيها سنة 1888 م وقد حاول جاهداً الحصول على براءة من السلطان العثماني ،في ذلك الوقت ،تقضي بمنح اليهود جنوبي سوريا ،لاستصلاح الأراضي وتعميرها وكان من شدة إيمانه بالعنصر اليهودي وبمقدرته على التفوق والتعمير ،أن جعل شعاره «تجديد شباب تركيا بواسطة اليهود ،وتحت إشراف بريطانيا». وقد كان الناطق باسم الطائفة الدينية المعروفة بأخوة المسيح ،التي تركزت دعواتها التبشيرية على تفسير نبوءات الكتاب المقدس ،خاصة سفر الرؤيا ومحاولة تطبيقها على الأحداث الجارية والمستقبلية بينما كان أغلب زعماء البروتستانت يبشرون بالصهيونية أكثر من اليهود أنفسهم ،على الرغم أن الكثير من المجموعات اليهودية في حينها اعتبرت أن التبشير ما زال مبكراً ،وبهذه الطريقة هي استباق للإرادة الإلهية وتعدي عليها وأن المتدينين اليهود وصموا الصهيونية بالعلمانية والكفر والخروج على تعاليم التوراة لاعتقادهم ،أن المسيح لا يأتي من خلال إرادة الأرض، بل بإرادة السماء. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق في هذا الجانب، أعتبر يوئيل تايتلباوم (1979 ـ 1887)، كبير حاخامات الفرق الحسيدية المسماة «ساتمار» وجماعة نواطير المدينة الأرثوذكسية ،أحد أبرز الأعلام الذين وقفوا بوجه الصهيونية الذي ولد في رومانيا داخل أسرة حاخامات عريقة، وقد تيتّم صغيراً، ورسّم حاخاماً وعمره 17عاماً، وقد أسس مدرسة حاخامية في ساتمار (رومانيا) عام 1906 كان الحاخام تايتلباوم، منذ البداية، عدواً لدوداً للصهيونية، وكان يرى أنها مصدر كل الموبقات والشرور وقد سجن في معسكرات الاعتقال النازية وهرب وأعيد اعتقاله عدة مرات، ونجح في النهاية في الهرب إلى سويسرا ثم إلى فلسطين لفترة قصيرة وفي فلسطين، طالب يهود العالم بإدانة الصهيونية وطرقها المخادعة والدنيئة ودعا إلى التنصل منها تماماً ثم ارتحل إلى الولايات المتحدة حيث استقر فيها حتى وفاته وأسس قرية حسيدية في وليامزبرج وهي ضاحية من ضواحي نيويورك، وأطلق عليها اسم قرية يوئيل لكن ما يشد الانتباه أن الحاخام المذكور، لاقى وفرقته الأمريّن من قبل سلطات نيويورك للحصول على التصريح بإقامة قريتهم تلك حتى نجحوا في ذلك كان يدين الصهيونية في كتاباته دائماً. حذر غير مرة من الحروب العدوانية التي تشنها الدولة الصهيونية وكان لا يعترف بالدولة الصهيونية ويحرض على مقاطعتهاولأنه كان حاخام القدس، فقد كان يزور فلسطين من وقت لآخر ولكنه كان يرفض أن يستقل القطارات التي تحمل رموز الدولة الصهيونية أصدر كتاباً دينياً حول حرب 1967 فأدانها وأنكر أن انتصارات القوات الصهيونية هو من قبيل المعجزات وقاطع حزب أجودات إسرائيل الديني لتخليه عن معارضة الصهيونية ودخوله الحكومة. وعلى الرغم من ذلك دعا حزب العمال البريطاني، مبكراً، إلى إجلاء العرب عن فلسطين ،من أجل إيواء اليهود فيها ،وقد ذهب صاحب بلفور إلى أمريكا ،واتصل بزعماء اليهود ،داعياً إياهم إلى نصرة الصهيونية والالتفاف حول زعمائها ،لدرجة أنه أطلق في خطاب له في واشنطن سنة 1917 قوله المشهور «أنني صهيوني» ومثله كان لويد جورج ،ولوردسيل ،وغيرهم من ساسة بريطانيا ،صهيونيين أكثر من الصهاينة أنفسهم. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الاتجاهات عممت معتقداتها في كل الأماكن التي يتواجد بها البروتستانت ،فقد قام داربي أحد أهم مبشرين الكنيسة البروتستانتية الايرلندي بعدة زيارات طويلة إلى كندا والولايات المتحدة ،وكان له أثره الكبير على جيمس بروكس راعي كنيسة المشيخيتين في سان لويس ،ولاية ميسوري ،الذي أصبح فيما بعد الناصح الأمين لسكوفيلد. ووضع سكوفيلد وداربي النبوءة في مركز مراجعتها للمسيحية وجعلاها قلب نمطها الديني ،ومنذ العام 1875 م تحدث سكوفيلد عن دور النبوءة الرئيسي في سلسلة من المؤتمرات حول الكتاب المقدس والنبوءة وركز فيها على أن خطة الرب الأرضية لإسرائيل وخطة الرب السماوية للمسيحيين المولودين من جديد ،فيما أدخل الحواشي هذه في إنجيل مرجعي وفي عام 1909 م نشر إنجيل سكوفيلد المرجعي الأول ،وسرعان ما أصبح أكثر الأناجيل والحواشي انتشاراً في العالم المسيحي ،إذ بيعت ملايين عديدة من نسخه ،الذي لم يستجب ناشرو إنجيل سكوفيلد المرجعي ،وهم جامعة اكسفورد في نيويورك لطلبات معرفة عدد النسخ المباعة وفي مقدمة لطبعة 1917 م من إنجيله المرجعي أن سكوفيلد لم يجد أي أمل لهذا العالم إذ قال: «لا يمكننا مطلقاً أن نعيش في سلام» وفي إحدى المناسبات ذكر مستمعيه أنه أطلق نفس التحذير عاماً بعد عام: «عالمنا سيؤول إلى الدمار والخراب في الكارثة العالمية النهائية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات