قلت لصاحبي بعد ان قدمت له التهنئة بالعيد: «إن شاء الله تكون العيد المقبل في بغداد». فقال وهو العراقي الذي يتابع شئون وطنه من البعد متابعة دقيقة،. حيث يعيش في المنفى: «وما دليلك على هذا التفاؤل؟» قلت: «يا صاحبي، ان الأمر مكتوب على الجدران، ويلوح في الأفق القريب، ألا ترى وتسمع ما يدور في العالم؟». قال: «بلى، ولكن من الخطأ الكبير ان نتوقع التغيير بهذه السهولة، وأن نسير خلف التحليلات الغربية»! فقلت: «إذن أعطني ما لديك...» فنظر صاحبي الي، بينما امتزجت على وجهه ملامح الشوق الى الوطن مع الأمل الحائر في عودة تتأرجح قربا وبعدا تبعا للمتغيرات السياسية المتواصلة، قائلا: «إنه التبسيط المخل يا صديقي، فالغرب في عمومه يعتقد ان مشكلته هي العراق، وأن مشكلة العراق هي صدام حسين... وهذا الاخير ـ في نظرهم ـ مجرد مشكلة بيولوجية، ليس بمعنى نوعية السلاح الذي ينتجه صدام، ولكن بمعنى ان البعض يعتقدون ان نهاية صدام حسين كشخص (بيولوجيا) سوف تحل هذه المشكلة ـ المزمنة ـ. وهذا ـ بلا شك ـ تحليل ضبابي للمشكلة العراقية. وبالرغم من ان الضبابية ليست دائما ناتجة من الجهل، إلا انها هذه المرة، لا تبتعد عن الجهل كثيرا! وهو امر يعود الى اسباب عدة». وقبل ان استوضحه اسبابه التي بنى عليها رؤيته، بادرني مكملا حديثه: «السبب الاول ان مثل هذا التحليل يتجاهل التغييرات الجوهرية التي فرضها صدام حسين في نسيج المجتمع العراقي، والتي اصبحت مجدولة في بنيته الثقافية والسياسية... في ارض العراق، وفي النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهي آثار سوف تبقى لسنوات طويلة تحمل خاتم «البعث» العراقي. فلقد قام صدام حسين، من خلال ما فرضه من نظام قمعي، بما يسميه بعض علماء السياسة بـ «الاخصاء» السياسي لامكانات العراق، ومن ثم لن يكون من السهل اصلاح ما تضرر في المدى القريب او المتوسط، حتى لو افترضنا ان نظاما جديدا وجد في بغداد يحمل صفة الليبرالية ويتحلى بمقولات الديمقراطية... فمثل هذا النظام سوف يواجه مرحلة ما بعد «الاخصاء» حيث «عراق» متشرذم، منقسم على نفسه، فلا الاكراد لديهم الاستعداد ان يتخلوا عما هم فيه من «شبه استقلال ذاتي» استمر سنوات طويلة، ولا القوى السياسية المختلفة في الخارج على استعداد للقبول بأنصاف الحلول باتجاه ما يسمى بالعمل الديمقراطي، الذي لم تتعوده حتى الآن، حيث لا تزال تحمل نتائج ذلك الاخصاء بعد ان تحللت القوى الديمقراطية السابقة في العراق، ولم تفرز بعد قوى ديمقراطية حديثة تستطيع معالجة جراح امتدت عشرات من السنين». اما السبب الثاني ـ يقول الصديق ـ فهو «ان (النظرية البيولوجية) تتجاهل خطط صدام حسين لمستقبل العراق، او ما يسمى اليوم في الادبيات العربية السياسية (الرئاسة الوراثية)، فقد هيأ صدام حسين الاعمدة الثلاثة التي يقوم عليها حكمه، وهي حزب البعث العراقي، او ما بقي منه، وقوى الامن، والجيش، بأن تقبل التوريث. لم يفكر صدام حسين خلال زمن طويل فيمن سوف يخلفه، ولكنه منذ سنوات قليلة بدأ بالتفكير في الخلف، خاصة بعد ان تقدم نسبيا في السن، وقد تجسد تصميمه على ذلك الهدف في سعيه الحثيث الى تنظيف الساحة من المنافسين، خصوصا من عائلته نفسها». خيارات التوريث وصراع الأخوين لقد اعتمد صدام حسين في مسعاه الى السلطة، وبعد امساكه بخيوطها، على وضع عائلي، فوضع الاخوة والأعمام وأبناء الاعمام في مواقع متقدمة من سلطة الحكم في بغداد، ثم بدأ في تصفية مراكز القوى العائلية، ليس سياسيا فقط، ولكن بعضها قد اصابته التصفية الجسدية كما فعل في صهريه حسين وصدام كامل بعد عودتهما من مهربهما المؤقت في عمان سنة 1996، وكان من قبلها قد تخلص من الاخوة وابنائهم، وفي نهاية 2001 كانت كل عائلات الاخوان والاعمام والانسباء اما خارج السلطة واما خارج الحياة، حيث لم يبق منهم سوى علي حسن المجيد (الذي يسميه العراقيون علي الكيماوي) وهو الذي اوكل اليه حكم الكويت في الاشهر الاولى ابان الاحتلال، وذلك لصلفه وولائه غير المشكوك فيه، حتى الآن، وربما كان يحتفظ به حتى الآن ليجعله احتياطيا لدعم الخلف المراد. اما باقي افراد القيادة الحالية مثل نواب الرئيس او غيرهم كطه ياسين رمضان وطارق عزيز، فهم جميعا لا يشكلون أي قوة في ذواتهم، بل يتحركون معتمدين على رضا ودعم «الرئيس»، وعلى الرغم من ان الاختيار بين عدي الابن الاكبر وقصي الابن الثاني لم يعلن للناس، إلا ان كل الشواهد تدل على ان قصي هو الخليفة المنتظر من وجهة نظر والده، وهو امر قد اطلق حربا تنافس فيها الابنان الاول والثاني، تشهدها منتديات بغداد ووسائل اعلامها، فعدي يعتبر نفسه الوريث الطبيعي لأبيه، ويرى انه قد قدم للنظام خدمات كبيرة في اوقات كثيرة، وهو يتحكم الآن في عدد من وسائل الاعلام، ويرسل عددا من الرسائل، بين فترة وأخرى، تصب في مجرى التشدد، ربما لنقول انه ليس صورة طبق الاصل من والده، بل هو اكثر تشددا منه وقوة وحزما، كما يفتح النار بين فترة وأخرى على البيروقراطية وقوى الامن ويتهمهم بالفساد ويصفهم بالمفسدين، وقد حاز في انتخابات المجلس الوطني العراقي عام 99 نسبة 9999 في المئة من عدد الاصوات! كما يقوم بالضغط العلني كي يأخذ المجلس الوطني بعضا من سلطته الحقيقية في المراقبة والمحاسبة. ومع ذلك فإن نقاط ضعفه كثيرة يتصدرها ما اصيب به من عجز نتج عن محاولة اغتياله منذ سنوات. ولكن يظل الافضل في نظر الرئيس العراقي هو قصي الذي رقي في مايو الماضي الى رتبة متقدمة، وهي العضوية في القيادة القطرية لحزب البعث، كما انه نائب والده في قيادة الجيش الجمهوري، ونائبه ايضا في اللجنة العسكرية لحزب البعث. خيارات أخرى: الجيش احد الاعمدة الثلاثة التي يرتكز عليها الحكم في العراق هو حزب البعث، وهو حزب شهد الكثير من التغيير والتبديل في ايديولوجيته، وقد بلغ اقصى قوة له في السبعينيات عندما اصبح «كل عراقي بعثيا» بالاقناع او بالتزلف او بالقهر ـ فكثير من قواعد تحمل عدم رضا كامنا ومستترا يذكر في الحلقات الخاصة، وقد اعتمد الحزب في وسط التسعينيات تكتيكا للميل نحو التوجه الاسلامي رغم علمانيته التاريخية فقرر ان يحفظ كل عضو شيئا من القرآن الكريم، ربما من اجل حيازة قبول الشارع، كما غير نظرته للمرأة، ولكن هذه العودة لم تكن ناجحة بسبب العداء الشعبي للحزب وسلوكه، الا ان الحزب يقبض على الكثير من المواقع الادارية، وفي حالة اي تغيير مستقبلي ربما يغير الحزب اسمه، ولكن سوف يبقى حزبا له امتداده، خصوصا انه الوحيد الذي كان يعمل في العقود الاربعة الاخيرة، ولا تستغني عن التعامل معه اي قوة تغييرية في العراق. قوى الامن والمخابرات هي اقوى تنظيم اعتمد عليه النظام العراقي منذ تأكيد سلطته ومن يقرأ ما كتبه السياسيون العراقيون الذين مروا بالسلطة وهجروها غصبا يكتشف قسوة هذه الاجهزة، وهي اجهزة متعددة ومتشابكة. ومن ثم فإن امن النظام ـ منذ عام 1973 حيث حاول ناظم كزار الذي كان رئيسا لجهاز الاستخبارات الانقلاب عليه ـ لم يتعرض لمشكلة امنية بسبب دأب النظام على التغيير والتخلص الدوري من قيادة الاجهزة المختلفة، هذه الاجهزة بسبب تركيبتها لا تستطيع ان تفعل شيئا كثيرا في التغيير. يبقى العامود الثالث الذي يرتكز عليه النظام وهو الجيش، وقد شهد محاولات عدة للانقضاض على النظام، وقبل ذلك تعرض الجيش نفسه للتطهير الدوري لقياداته، وهو يعج بعدم الرضا في قياداته الوسطى والصغيرة، التي يتعاطف معها قطاع واسع من القيادات المتقدمة، وفي الآونة الاخيرة بدأ صدام حسين يقدم للقيادات المتقدمة من العسكر بعض الامتيازات مثل تعيينهم في مراكز مدنية عالية كمحافظين ورؤساء لهيئات حكومية مرموقة، ربما لامتصاص نقمتهم. توقف صاحبي، هنا، ليستطلع مدى تفاعلي مع ما يقول، ثم أردف متسائلا: «هذه هي الصورة... فمن، أين سوف يأتي التغيير؟»، قلت: «لعل احتمالات التغيير تنبع مما جاء في ثنايا كلامك نفسه... فكل قطاع من الاعمدة الثلاثة التي ذكرت يحمل من الغضب الكامن وعدم الرضا ما يكفي ويزيد... ألم تسمع المثل القائل انه «مهما كبر سور الصين فإنه لن ينقذها من شرور الداخل»... والأيام بيننا! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت