ابجديات، بقلم: عائشة إبراهيم سلطان

استمرار حالة الاحتلال (الاسرائيلي) وما يصاحبه من وحشية وارهاب، مع حالة لا مثيل لها من القمع والمصادرة والتهجير الذي لا يختلف عن التطهير العرقي، اضافة للاوضاع المعيشية السيئة مع حالة من الخذلان العربي والدولي المتزايد، كل ذلك ولّد عنفا مضادا على الجانب الفلسطيني لا نتردد اطلاقاً في اعتباره مشروعاً جداً، لانه الحل الوحيد لمواجهة كل هذا البؤس الذي لا يعرفه إلا من يعانيه وهم هنا الشعب الفلسطيني. اذن فالارهاب الصهيوني ولّد لدى الفلسطينيين احتياجاً ماساً للدفاع عن النفس، فصاروا يمارسون هذا الدفاع بطريقة جهادية معجزة، وأدلة الاعجاز كثيرة ومتطورة، لعل آخرها القدرة المذهلة على اصابة الدبابة (الاسرائيلية) من طراز (ميركافا) وتحطيمها، مما أثار صدمة مذهلة في صفوف كبار ضباط الجيش (الاسرائيلي) لعلمهم بأن هذه الدبابة العملاقة من الصعب تحطيمها بأي نوع من الاسلحة التقليدية. اذن فالحاجة أُمّ الاختراع كما يقول المثل المعروف، والدفاع عن النفس والوطن احتياج وعبادة وضرورة، وعليه فكلما أمعن الجيش (الاسرائيلي) في وحشيته واجرامه، كلما كان تزايد العمليات الاستشهادية رداً متوقعاً وطبيعياً جداً، فبمجرد ان اصدرت الحكومة الاسرائيلية بالأمس قرارها باستمرار الابقاء على حصار الرئيس ياسر عرفات مع اعطاء الجيش ضوءاً اخضر للتوغل في مناطق السلطة، ردت المقاومة الفلسطينية المسلحة بعملية هاجم خلالها مسلحان فلسطينيان موقفاً للحافلات (الاسرائيلية) فتحا النار على من فيه فأصابا أكثر من عشرة مستوطنين. وهكذا تسير حكومة شارون من مأزق إلى آخر أشد، وبذلك تواجه اختباراً حقيقياً يتعلق بوجودها واستمرارها في اقصى الاحوال، وبأمنها واستقرار اقتصادها في كل الأحوال، هذا الاختبار يتمثل في حالة الرعب التي تولّدها العمليات الاستشهادية المتتالية والمتطورة نوعياً يوماً اثر يوم، وهو الرعب الذي ينمو تصاعديا في قلوب يهود المستوطنات الذين كلما تحصنوا في مستوطناتهم، وخلف سواترهم وداخل خنادقهم وفي حماية دباباتهم وجيشهم، كلما كان ذلك دليلاً واضحاً على انهيار حلم الدولة ـ الوطن الذي حلموا به قرونا. وعليه فالصورة داخل المجتمع الاسرائيلي ليست متفائلة ابداً، فهناك عمليات استشهادية مستمرة تحصد المزيد من (الاسرائيليين) وتخلف الكثير من الخسائر، وهناك فشل حكومي يتزعمه شارون بمواصلة حلوله العسكرية الغبية، وهناك حركة تمرد داخل الجيش، واخرى في الشارع (الاسرائيلي) على نطاق المتشددين الصهاينة ومعسكر السلام، كما ان هناك غضباً شديداً داخل حزب الليكود نفسه من استمرار هذا الوضع وفشل شارون في وضع حد له. ذلك لا يعني ان هناك ثورة شعبية في المجتمع (الاسرائيلي) ضد الحكومة ولصالح الفلسطينيين، لكن هناك احتجاج وان بدا غير واضح بصورة كبيرة، لكنه يتنامى سريعاً وسط مجتمع خليط ومهاجر من اصقاع الدنيا جاء إلى هذه البقعة المباركة طالباً الامان وأنهار العسل واللبن، فاذا به لا يجد سوى الموت وأنهار الدم تجري على اسفلت الشوارع! لكن هذا الاحتجاج برغم عدم اتساع قاعدته، إلا انه يشكل دعامة قوية لدفع حكومة شارون للبحث عن مخارج تعيد الامان لرواد المطاعم الاسرائيليين، ورواد الملاهي الليلية ولزوار المراكز التجارية وراكبي الحافلات، وسكان المستوطنات وطلاب المدارس ومحبي الشواطيء.. وعليه فإن الامان هذا لن تجلبه حلول شارون العسكرية الحمقاء، ولا دباباته المتوغلة باستمرار في اراضي السلطة، ولا الحواجز الامنية ولا حصار عرفات.. ان الحل في العودة ثانية لطاولة المفاوضات مع الاستعداد للتنازل، والانسحاب ومناقشة حق العودة للاجئين. اما شارون وحكومته، فإن حماقاتهم لن تتجاوز اصدار قرار بحبس المتهم لحين تقديم ادلة براءته كما يعتقدون، والمتهم هنا هو عرفات، والتهمة هي التحريض على الارهاب!! اما اعادة الاحتلال أو اخراج عرفات، أو حتى تصفيته جسديا، فهذه حماقات لن يقترفها شارون، فإذا فعلها فسيكون مصيره كمصير من سبقه من رؤساء حكومات اسرائيل المتعاقبين، بدءا بـ (بن جوريون) وانتهاء بـ (باراك)، والبركة في صمود الشعب الفلسطيني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات