حرصت اسرائيل والولايات المتحدة ألا يمر العيد دون أن تمنح العرب والمسلمين العيدية التي يستحقونها. اسرائيل من جانبها خففت الحصار عن الرئيس عرفات، وسمحت له بالتحرك في مدينة رام الله بعدما كان ممنوعاً عليه مغادرة مقر الرئاسة. والولايات المتحدة أعلنت انها سمحت لأسرى جوانتانامو بالاحتفال بالعيد ـ نزولاً على رغبة الصليب الأحمر الدولي ـ وقدمت لهم لحم الخروف ليأكلوه هنيئاً مريئاً! ورغم ما بين عيديتي تل أبيب وواشنطن من اختلاف في التفاصيل الا انهما من صنع مهندس واحد. هذا المهندس هو العقلية الاستعمارية المعادية بالمطلق لنا جميعاً كعرب ومسلمين. فشارون بقراره الجديد نحو عرفات عبّر عن المزيد من غطرسته تجاهنا واهانته لنا فكل ما فعله ـ عملياً ـ هو توسيع السجن الذي كان يحشر فيه الرئيس الفلسطيني، لتصبح مدينة رام الله بكاملها هي السجن وليس فقط المقر الرئاسي، اي لم يتغير شيء على الاطلاق، فالرئيس الفلسطيني لا يزال محاصراً وسجيناً. وما حدث في رام الله لا يختلف كثيراً عما جرى في جوانتانامو، فواشنطن لا تزال تمارس التعذيب بحق هؤلاء الأسرى، فعيونهم لا تزال معصوبة، والسدادات لا تزال محشورة في آذانهم، والكمامات لا تزال تلتصق بأنوفهم، فهم صم بكم عمي معزولون عن العالم، محرومون من كل حق كفله لهم القانون الدولي، ومن ثم فإن رفع الكمامات والسدادات وأغطية العيون أو حتى فك السلاسل لعدة ساعات من اجل لحم الخروف لا يعني ان تغييراً حدث لهم بالفعل، فهم لا يزالون داخل اقفاصهم كحيوانات السيرك. وادارة الرئيس بوش تصر على تعطيل القانون الدولي وترفض معاملتهم كأسرى حرب. كما ترفض الاستجابة لمطالب الهيئات الدولية ومنها الصليب الأحمر نفسه بشأن تطبيق معاهدة جنيف الخاصة بأسرى الحروب على أغلب الموجودين في جوانتانامو. وعلى حد قول المسئولين في واشنطن فإن هؤلاء ليسوا اكثر من «ارهابيين» لا حقوق لهم، وبالتالي حكاية الاحتفال بالعيد وأكل اللحم ليس اكثر من حملة علاقات عامة لتجميل الصورة القذرة ليس إلا. وهذا بالضبط ما يفعله شارون مع عرفات، فقراره الجديد مجرد عملية تجميل، فهو يعتبر الرئيس الفلسطيني «ارهابياً» يستحق أكثر من الحبس، وقد أعلن ذلك مراراً، بل حاول اقناع الغرب كله بذلك. ولذا فإن السياسة التي تنطلق منها تل أبيب في تعاملها مع عرفات لا تختلف كثيراً عن تلك التي تنطلق منها واشنطن في تعاملها مع أسرى جوانتانامو، فالكل في نظر جلاديهما ارهابيون. انها عقلية واحدة تلك التي تجمع بين شارون وجورج بوش وكلاهما يميني متطرف الى حد التعصب، بل والاستعداد لممارسة الارهاب عند اللزوم، فالأول توعد ـ قبل سنوات ـ بمهاجمة قبر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وهدمه انتقاماً من كل المسلمين، والثاني توعدنا بعد أحداث سبتمبر بحرب صليبية مدمرة، وها هو ينفذها الآن ضد العراق. والعيب بالطبع ليس فيهما، ولكن فينا نحن، لأننا الذين استسلمنا لهما، ورفعنا الراية البيضاء أمامهما، وتمسكنا بالخيار الاستراتيجي اياه بدلاً من المقاومة والجهاد، ومددنا أيدينا نتوسل منهما المبادرات والدولارات. والخوف ان يأتي العيد القادم، ويكون الوطن العربي بأكمله قد تحول الى جوانتانامو يضم 300 مليون أسير عربي، تذبح لهم أمريكا واسرائيل ما تبقى من شعبي فلسطين والعراق بدلاً من خروف العيد.