يبدأ مغامرته مدفوعا بطموح قبلي أولاً.. ثم يتحول كأمير حرب الى عميل يقاتل لحساب قوة أو قوى خارجية. هذا هو القاسم المشترك الذي يجمع بين جوهانس سافمبي قائد حركة «يونيتا» الانجولية وجون قرنق قائد «الجيش الشعبي لتحرير السودان». ولذا فإن مقتل سافمبي هذا الاسبوع يتطلب وقفة.. حركة «يونيتا» انطلقت في منتصف سبعينيات القرن الماضي متزامنة مع اعلان استقلال أنجولا عن الاستعمار البرتغالي كحركة تعارض الاستقلال من منطلق عرقي على خلفية الاختلاف العرقي التاريخي بين جنوب البلاد الذي طرحت يونيتا نفسها كممثل له والشمال الذي تراصت صفوفه خلف حركة التحرر الوطني تحت قيادتها الماركسية للنضال المسلح ضد الادارة الاستعمارية. وحركة قرنق في جنوب السودان تختلف ولا تختلف في آن معا عن يونيتا الانجولية من حيث توقيت الانطلاق. فمن حيث وجه الاختلاف فإن حركة قرنق خرجت الى حيز الوجود عام 1983، أي بعد 27 عاما من استقلال السودان. أما من حيث التشابه فإن حركة قرنق انسلت في الحقيقة من عمق تاريخ حركة التمرد السودانية الجنوبية التي انطلقت عشية اعلان الاستقلال في السودان عام 1955 كبادرة معارضة ضد الحركة الوطنية العامة في الشمال. وفي أول وهلة لاقت حركة التمرد في كل من انجولا والسودان ترحيبا فوريا ودعما قويا من قوى خارجية ذات طابع استعماري وأجندة شريرة. حركة التمرد السودانية الأولى تحت قيادة منظمة «انيانيا» المسلحة التي اتخذت من الاراضي اليوغندية قاعدة لها حظيت بدعم كل من اسرائيل ومجلس الكنائس العالمي. وجاءت حركة قرنق في الثمانينيات لتتبناها اسرائيل ايضا جنبا الى جنب مع مؤسسات كنسية امريكية وأوروبية متدثرة برداء «جمعيات اغاثة» من باب مواكبة العصر. وهكذا كان الحال وان اختلفت الصورة شكلا مع حركة سافمبي في أنجولا، وهو اختلاف على شكليته ليس كبيرا في الحقيقة، فالقوة الخارجية التي هرعت لتقديم التمويل والتسليح لحركة يونيتا في حربها ضد الحكم المركزي الوطني هي «اسرائيل» الافريقية ـ جمهورية جنوب افريقيا العنصرية في عهد حكم الأقلية البيضاء الذي كان يجمعه تحالف استراتيجي ثابت مع اسرائيل «التوراتية». وفي مرحلة لاحقة انضمت الولايات المتحدة علنا الى جنوب افريقيا في دعم سافمبي من أجل تقويض الحكم الوطني الأنجولي الذي كان يتزعمه الماركسيون. إن المشكلة الكبرى لحروب افريقيا ذات الطابع الانفصالي والعرقي هي ان قادتها يتحولون بمرور السنين وتدخل القوى الخارجية ذات الأجندة الاستعمارية الى أدوات لخدمة هذه الأجندة ضد بلدانهم وشعوبهم فتلحق بها وبهم دمارا اقتصاديا طويل المدى. ففي أنجولا أدت حرب سافمبي المدعومة خارجيا الى حرمان الحكم الوطني من فرض سيطرة دولية على صناعة مناجم الماس في جنوب البلاد. ولم يقتصر الخسران على فقدان الحكومة المركزية موردا رئيسيا للدخل القومي وإنما تضاعفت الخسارة ببيع سافمبي الماس الى شركات جنوب افريقيا والشركات الامريكية بأرخص من سعر التراب. وفي السودان تسببت حرب قرنق ومن قبلها حرب التمرد الأولى في استنزاف مالي واقتصادي للشمال قد يحسب بعشرات المليارات من الدولارات. واذا كانت القوى الخارجية تحرص على استمرارها في تأجيج حرب أهلية افريقية كحربي أنجولا والسودان لصالح أهداف استراتيجية لا علاقة لها برفاه أي من الدولتين، فإن أمراء حرب مرتزقة من أمثال جوهانس سافمبي وجون قرنق يكتشفون انه لا مستقبل سياسيا لهم دون البقاء كأمراء حرب. ففي عام 1991 توقفت الحرب في انجولا، وبعد ان دخل سافمبي سباق الانتخابات اكتشف انه لم يحرز سوى كم هزيل من الاصوات حتى من بين ابناء قبائل الجنوب الانجولي.. فعاد الى استئناف الحرب. وجون قرنق لا يقل تخوفاً عن رصيفه سافمبي من السلام الذي يأتي بصناديق الاقتراع.