الدكتور سيد عويس اسم يحتل مكانة بارزة في سجل علماء الاجتماع العرب المعاصرين، رحل الدكتور عويس رحمه الله عام 1989، بعد أن ترك مؤلفات عديدة فيها بين رصانة العالم الأكاديمي وبين لماحية الأديب الذي كانت موهبته ككاتب وباحث مزودة بملكة الرصد الدقيق والملاحظة النافذة كأنما وهبه الله سبحانه كاميرا ذكية موصولة بعقل تحليلي راجح فأعانه الاثنان على أن يحول ملاحظاته على دنيا الحياة والأحياء الى مادة علمية موضوعية وطلية ورصينة في آن واحد معا. من هذه النوعية من كتابات الدكتور سيد عويس نخص بالتنويه كتابه الجميل الذي اختار له عنوانا طريفا هو: «هتاف.. الصامتين» فتأمّل! كيف يهتف الساكتون وكيف يتاح لمن يعتصمون بحبال الصمت أن يرفعوا عقائدهم وأن تصل أصواتهم الى حد الهتاف؟ وأنت تقلّب صفحات «هتاف.. الصامتين» فتعرف من العلاّمة سيد عويس أنه يقصد الشعارات والكتابات التي طالما يقرأها الناس مرفوعة أو مكتوبة أو منقوشة أو محفورة على الشاحنات وسيارات الركوب وأحيانا على أديم الجدران في الحواري والأزقة وما في حكمها.. شعارات وكتابات تعبر في مجموعها بصورة أو بأخرى عما يدور في أخلاد الناس وعما يجيش في صدورهم من أحاسيس وما يراود خواطرهم من أفكار.. وما يعتمل في وجدانهم من آمال وما قد يعانون في مسارات حياتهم من أتراح وآلام. ولأن الرائد لا يكذب أهله.. ولأن السوسيولوجي الذكي اللبيب سيد عويس نشأ في بيئة شعبية ـ في حي الخليفة ـ على ما تعي ذاكرتنا وهو من أحياء القاهرة العتيقة وربما الرقيقة الأحوال فقد ظل الرجل رغم المناصب العلمية الكبيرة التي تولاها ورغم الدرجات الأكاديمية الرفيعة التي حصل عليها من مصر العربية ومن أقطار الغرب فيما وراء البحار ظل موصول الوجدان.. مشغول البال بما يدور في أفئدة غمار الناس الذين يأكلون الطعام البسيط ويمشون في الأسواق الزهيدة المتواضعة.. هؤلاء كانوا قومه كانوا ناسه والأقرب الى فؤاده ـ كانوا «الأغلبية الصامتة» كما يقول التعبير الذي أصبح شائكا ومتواترا في أجرومية السياسة المعاصرة. ربما كانت هذه الأغلبية الصامتة بعيدة عن وسائط الميديا الالكترونية لا تستطيع الوصول اليها لأسباب شتى وربما كانت هذه الميديا ما بين الصحيفة أو الراديو أو التلفاز مقصورة أو تكاد على فئات النخبة «الإليت» كما يقول مصطلح الفرنجة ـ الصفوة يا مولانا ممن اصطلح القوم على تسميتهم بالمتنفذين أحيانا أو بالمثقفين أحيانا أخرى هنالك لم يجد الصامتون من وسائل يعبرون فيها عن أنفسهم سوى وسائل النقل «الشعبية» إن شئت التعبير، إن شاحنة البضائع وسيلة شعبية لأن راكبها سائق مكدود البدن مهموم أبدا برزق الذرية وأكل العيال ورفيقه الى جواره في قمرة السيارة يحمل اسما بالغ التواضع الى حد التعاسة وهو «التباع» ولست أدري من أقدم على صّك هذه التسمية الغريبة.. تحمل في طياتها نوعا من الاسترقاق المهني وتصدق طبعا على إنسان كل مهمته أن يكون تابعا للسيارة أو بالأدق تابعا لحمولتها من السلع وصنوف المتاع كل مهمته أن يشتغل بحملها ونقلها بين رصيف التجارة الى بدن الشاحنة أو العكس.. واذا كان الخواجة الألماني أو الانجليزي أو حتى الياباني (ولا غرو فقد أصبح الأخير خواجة بدوره لأنه استطاع أن يصنع موتور سيارة) ـ اذا كان هؤلاء قد أنتجوا موتور الشاحنة فقد أضاف اليها الصنايعي من أهل بلادنا صناعة هيكل جديد لها يرسمه وينفذه لكي يوافق نوعية السلع التي تحملها الشاحنة وظروف مسيرها في مسالكنا اليعربية بين السهول أو الجبال أو الوهاد.. لا عجب إذن أن يعتز الصنايعي اليعربي بما أنتجته يداه فإذا به يكتب على هيكل السيارة عبارات من قبيل «صناعة المعلم قرني عبدالشكور» وقد سبق لمثل هذا المعلم الهمام أن كتب عبارات مماثلة على عربات الكارو شبه البدائية التي يجرها بغل هرم أو يشدها حصان عجوز وقد يستخدم سائقوها حمارا منهك القوى إذا ما صادفك في حارة شعبية فهو يسير أبطأ من الهوينا مما قد يتيح لأمثالنا وقتا أطول وفرصا أوسع لمزيد من تأمل العبارات التي يكون قد حفرها في أخشاب العربة انداد المعلم قرني ممن يزيدهم الاعجاب بما صنعوه من تلك المركبات أو التراكيب البسيطة الساذجة فإذا بهم يسجلون «مآثرهم الصناعية» لكي يقرأها سابلة الطريق وقد يزيدون فيطلبوا من قارئهم بعض الدعاء بالتوفيق. وفي حالة التكسيات التي تشق شوارع القاهرة وسائر المدن الكبرى تحول الشعارات والعبارات المكتوبة الى حيث تذكرة القارئ بأن يصلي على من يشفع فيه، أو بأن لا ينظر الى السيارة التاكسي «العجيبة» بعيون رضّية بل عليه أن يتذكر في تأمل فلسفي عميق طبعا حجم الفلوس التي دفعت من أجل اقتنائها.. ويزيد الأمر طرافة حين تلقى سيارة تاكسي وقد أكل عليها الدهر وشرب.. وكاد لونها القديم (الأزرق القاهري أو البرتقالي السكندري) يحول رونقه سواء من قدم العهد كما قال يوما الشاعر حافظ ابراهيم أو بفعل وابل الغبار الذي يعلو جنباتها، واذ تسير السيارة المهيضة بجهد جهيد وقد تخلخلت مفاصلها وقد أفضت بسائقها المسكين الى أن يسوقها تارة ويدفعها (يدفشها) تارات.. كل ذلك والشعار العتيد ـ هتاف الصامتين كما يعبر سيد عويس ـ مكتوب على صندوقها الخلفي يقول في إعجاب غريب بالنفس: ـ الحلو دي.. من الشرابية.. أو يقول في محاولة ابلاغ أن السيارة واحدة من اثنتين يملكهما مواطن شاطر محظوظ: ـ أميرة (اسم سيارتنا المعجبانية) أخت وئام (اسم السيارة الأخرى). وقد يتمادى المالك المحظوظ أو السائق المفتون فيخشى على أميرة.. أو شقيقتها وئام من الحسد (رغم أن ليس في أي منهما ما يدعو الى أي حسد) ومن ثم تقول عبارة هتاف الصامتين مرددة الشعار الشهير المضاد للحسد وهو: ـ عين الحسود.. فيها عود. أو مخاطبة من تسول لهم أنفسهم الأمّارة بممارسة عادة الحسد فيكون الشعار ـ الهتاف كما يلي: ـ يا ناس يا شر.. كفاية قّر (وينطقونها بالألف بدل القاف) ومن معاني القّر في المعجم التكرار الى درجة السخافة والإملال. لا ندري إن كان المرحوم الدكتور سيد عويس قد لاحظ أيضا بعض الشعارات الايجابية التي ما زلنا نرصدها بدورنا على هياكل سيارات التاكسي ومنها مثلا شعار يقول ولو بمنطق المخالفة: ـ يا ناس يا فّل ـ الخير للكل. أجل.. لا ندري إن كان كاتب هذا الشعار يصدر عن منطق تفاؤل حقيقي وأصيل على أساس أن تفاءلوا بالخير تجدوه، أو من منطق التعلل بالأمنيات العِذاب على سبيل سلوى النفس على نحو ما يقضي به البيت الشهير: أمانيّ أن تسنح تكن أجمل المنى وإلاّ، فقد عشنا بها زمنا رغدا إن هذا التفاؤل هو أصيل أو موهوم من تلك الشحنات التي تنذر وتهدد وتتوعد من خلال التعبير الذي يردده الأمريكان استباقا للمشاكل والأزمات وهو «الكتابة على الحائط» حيث يوجه قائلهم الخطاب الى كبار ساستهم في الحكم أو في الكونجرس قائلا: ـ ألم تقرأ سيادتك الكتابة على الجدران؟ وتلك كناية على أن وراء الأفق نذران الشر المستطير وأن على رجل الحكم أو السياسة المشتغل بالعمل العام أن ينمي في نفسه القدرة على استباق هذا الشر الذي يهدد كيان الوطن والأمة وأن ينبه قومه الى أساليب الحماية من مغبته والاتقاء. و.. يرحم الله الدكتور سيد عويس، ويرحم معه أفواج الصامتين حين يسكتون، وأيضا حين يعبرون عن مكنون أفئدتهم.. ويهتفون.