جلست ارتب كما كبيراً من الاوراق التي تراكمت على مكتبي وذلك بعد فراغي من قراءة صحف صباح السبت، وصدمت لاحدى البطاقات التعريفية التي كانت ضمن كثير من البطاقات التي عادة ما اراكمها ثم ارتبها في الحافظة، فقد كان صاحب البطاقة هو نفسه الصحفي الامريكي دانييل بيرل مراسل صحيفة «وول ستريت جورنال» الامريكية الذي اختطف في باكستان وقتل على يد مختطفيه بأسلوب بشع واعلن عن مقتله يوم الجمعة، وكانت صوره على صدر الصفحات الاولى من صحف صباح السبت التي فرغت لتوي من قراءتها وسرعان ما تذكرت بيرل ولقاءه العابر معي اثناء تواجده في الدوحة لتغطية مؤتمر منظمة التجارة العالمية. فقد فوجئت به يقف امام مسجد عمر بن الخطاب في الدوحة حيث يلقي فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي خطبة الجمعة وذلك بعد الصلاة وكان في صحبته الزميل عبدالعزيز التميمي احد زملائنا العاملين في قناة «الجزيرة» حيث بادرني عبدالعزيز مسلما ومحييا وعرفني على دانييل بيرل وعرفه علي ثم قال لي عبدالعزيز نريد مساعدتك في حاجتين: الاولى ان دانييل يريد مقابلة الشيخ القرضاوي لاجراء حوار معه لصحيفة «وول ستريت جورنال» وقد سعى كثيرا للقاء الشيخ ولم يستطع الوصول اليه وحينما علم انه يلقي خطبة الجمعة هنا طلب مني ان اصحبه للقاء الشيخ ومحاولة ترتيب موعد معه، هذه المرة الاولى. اما الثانية فإن بيرل يعد تقريراً عن قناة «الجزيرة» وقد طلب مني الزملاء مساعدته في جمع المادة وهو يريد عمل لقاء معك حول برامجك ومصادفة لقائك هنا جعلتنا نطلب منك ان تساعدنا في كلا الامرين، قلت له اما ما يتعلق بالحوار معي فإني للأسف مسافر بعد غد ومشغول للغاية في ترتيب امر سفري، أما ما يتعلق بالشيخ القرضاوي فيمكنكم انتظاره عند الباب الذي يخرج منه لان المسجد مزدحم للغاية، ولا استطيع البقاء للنهاية، نظر الي بيرل برجاء بدا واضحاً في عينيه وقال لي: ارجو ان تساعدني فأنا اعتبر ان لقائي مع الدكتور القرضاوي مهم للغاية وسوف يمنحني تميزاً في عملي، كانت نظرات الرجاء من بيرل كفيلة بأن أفكر في كيفية مساعدته فقد كان لديه تصميم دفعه للمجيء للمسجد والوقوف في الشمس حتى تنتهي الخطبة والصلاة، وقد ذكرني هذا بما كنت ومازلت افعله مع ضيوفي الذين احرص على ان اجري معهم مقابلات مميزة، واثناء تفكيري في كيفية تدبير مساعدته فوجئت بالاستاذ عصام تليمة مساعد الشيخ القرضاوي يسلم علي، فأنقذ الموقف فقلت له لقد جئت في الوقت المناسب فهذا الصحفي الامريكي يريد مقابلة الشيخ، فأرجو ان تساعده، ربطت بيرل مع الاستاذ عصام ومشيت إلا ان بيرل قال لي: وأنت متى أقابلك قلت له معك هواتفي حدثني اذا انتهيت من ترتيب موعد الشيخ، اتصل علي بيرل ثلاث مرات، فشلنا خلالها في ترتيب موعد بسبب تضارب المواعيد وسفري وسفر بيرل كذلك إلا انه كان مصمما على الحوار فقال لي: سوف اتصل بك من دلهي واجري الحوار معك عبر الهاتف، فقلت له لا مانع عندي. نسيت الأمر بعد ذلك حتى أني حينما تابعت أخبار اختطاف بيرل لم أكن أعرف انه هو الذي قابلته وعرفته، حتى وجدت بطاقته على مكتبي في اليوم نفسه الذي أكدت الصحف فيه خبر مقتله، اتصلت على الزميل عبدالعزيز التميمي وأبلغته فتذكر الأمر بأسى وحينما ذهبت للشيخ القرضاوي لتهنئته بالعيد سألته عنه فقال انه أجرى معه حواراً بالفعل، وقال الشيخ انني عادة ما أرفض منح الصحفيين الغربيين حوارات لأنهم عادة ما يحرفون الكلام، لكن بيرل تعهد لي بألا ينشر المقابلة حتى يطلعني على مسودتها وقد التزم بالفعل بوعده وأرسل المسودة لي واطلع عليها ابني الدكتور محمد بالانجليزية، وقال «انه التزم بما أجراه معه من حوار، وقد أرسلت لي زوجة بيرل بعد اختطافه تطلب مني أن أصدر بياناً أطالب مختطفيه بإطلاق سراحه لأنه صحفي يمثل مهنته ولا يمثل تصرفات الحكومة الأمريكية وقد طالبت بالفعل في برنامج الشريعة والحياة بالافراج عنه واستنكرت عملية اختطافه لأن مثل هذه التصرفات الاسلام منها براء وتسييء للإسلام والمسلمين، ولكن مختطفيه في النهاية قتلوه». شعرت بحزن شديد في نفسي رغم اني لم أعرف الرجل سوى بضع دقائق وكنت قد نسيته بالفعل إلا ان بعض الناس تدفعهم الاقدار في طريقنا ربما لبضع ثوان ثم يكون بعدها ما بعدها من تصاريف الحياة. ورغم وجود تقارير كثيرة نشرت في الغرب تتحدث عن علاقة كثير من الصحفيين الغربيين، ورجال الاغاثة والعاملين في مجال التبشير أو التنصير مع أجهزة المخابرات في بلادهم إلا ان التحقق من هذا الأمر ليس سهلاً وهناك صحفيون شرفاء يعملون فقط من أجل مهنتهم ومن أجل ايصال الحقيقة الغائبة إلى الغرب ولعل الصحفي روبرت فيسك مراسل صحيفة «الاندبندنت» البريطانية في الشرق الأوسط والذي كاد ان يفقد حياته في أفغانستان بعد الاعتداء عليه في شهر ديسمبر الماضي على يد لاجئين أفغان ذهب لينقل إلى الناس مأساتهم واحداً من هؤلاء. وكم دفع ويدفع عشرات الصحفيين حياتهم ثمناً لخبر أو صورة أو مسعى لنقل الحقيقة من هنا وهناك، وقد تعرضت بنفسي عدة مرات للقتل أثناء تغطيتي لبعض الأحداث كما روى لي الزملاء كثيراً من المآسي التي يتعرضون لها كان من آخرهم الزميل تيسير علوني الذي هرب من الموت في أفغانستان بأعجوبة والزميل محمد شبارو مراسل تلفزيون «ام بي سي» حيث قام بتغطية الحرب الأفغانية من جانب تحالف الشمال، وروى لي كيف قتل صحافيان فرنسيان كانا معه وكيف قتل صحفيون كثيرون ونهب وسلب عشرات آخرون على يد قطاع الطرق، وأذكر ان زميلنا وضاح خنفر الذي أوفدته قناة «الجزيرة» لتغطية الوضع في كابول والذي عاد فقط قبل أيام قد قام بمغامرة كبيرة في الانتقال من العاصمة كابول إلى باكستان براً عبر جلال أباد في نفس الطريق الذي سبق وقتل عليه ستة صحفيين أجانب في نوفمبر الماضي وسلبت معداتهم وأموالهم، وكيف كنا قلقين عليه حتى وصل إلى بيشاور الباكستانية. لقد كانوا يقولون لنا ان الصحافة مهمة البحث عن المتاعب لكننا نؤكد بعد عملنا بها أنها ليست مهنة البحث عن المتاعب وإنما مهنة الموت والمخاطر. ـ كاتب وإعلامي مصري