لاشك أن للأدب دوراً يلعبه في حياة الناس، أفراداً وجماعات، وخلال العصور المتراكمة من حياة البشر على الأرض كان الأدب موجوداً وفعالاً في الوجود: يجمله ويقومه ويلفت النظر إلى غناه ومعناه ومبتغاه، ومعنى هذا أنه ضرورة من ضرورات الحياة من جهة ودليلٌ على وجودها ونتيجة لتفاعل الإنسان مع الآخرين ومع الطبيعة فيها من جهة أخرى. ولا يمكن أن يمارس الأدب دوراً ويقوم بفاعلية ما إلا إذا كان واضح الهدف متقَن الصنعة قادراً على التأثير في من يتوجه إليهم بالخطاب، وربما كان الصدق ورصيد المعاناة إضافة إلى التمكن والموهبة وامتلاك الأداة من أوائل شروط المبدع ومقومات عمله في مجال الأدب، ولكن هل يكفي أن ينتج الأدب حتى تتحقق فاعليته، لا سيما في عصره، ألا يتطلب ذلك شروطاً ومقومات أخرى..؟! إن جوهرة في الظل تساوي الظل.. وقديماً قال الشاعر العربي: والتبر كالتراب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوعٌ من الحطبِ ومن أهم شروط تأثير الأدب وتحقيقه لفاعليته وأدائه لوظيفته، هذا مع افتراض وجود مقومات العمل الأدبي والرؤية الإبداعية، من أهم تلك الشروط: جودة المادة والمعالجة ووجود من يقرأ الأدب ويفهمه ويتأثر به، وتلك مشكلة يواجهها الناس الذين تحركهم الكلمة ويتعاملون معها، وأظن أن من أكبر المشكلات التي يواجهها الأدب هذه الأيام عدم وجود هذه الفئة من الناس التي تعطي للكلمة مصداقيتها ومعناها وتحولها إلى فعل من جهة وانعدام الصلة أو شبه انعدامها بين المتلقي النابه، مع افتراض وجوده، والكتابة الهادفة الموجهة إليه، وانتقال التلقي من دوائر هيولى الرأي وتهويمات الرؤية إلى فكر كفلق الصبح في الوضوح وفعل يجسده السلوك في الواقع على شكل أعمالِ هدمٍ أو بناء في الذات وما حولها محكومة بمعيارية قيمية وأخلاقية وإنسانية واضحة الحدود والمعالم وروح نقدية لها معاييرها وسلالم قيمها ومقومات حضورها. التلاقي بين الحضارات ولا نستطيع أن نلقي المسئولية في وجود هذا الخلل على الأدب ومنتجيه فقط، وإن كانوا يحملون النصيب الأوفر من المسئولية، وإنما هناك شركاء في تلك المسئولية منهم النقاد ومنهم القراء الذين ينبغي ألا يلزموا جانب الحياد في عملية التواصل والتفاعل: سلباً وإيجاباً، مع الإنتاج الأدبي والحياة اليومية وهم الذين على أيديهم تتحقق النتائج التي يرمي إليها الإنتاج الأدبي ومن هم وراءه، والملتزمون بالكلمة قولاً وعملاً. ولفاعلية القراء أثر كبير في هذا المجال فهم يؤثرون في الأديب نفسه وفي نوعية الإنتاج الذي ينتجه بإقبالهم أو إحجامهم عن كاتب أو كتاب أو إنتاج ما، كما يؤثرون في عملية ترجمة الكلمة إلى فعل وخلق مناخٍ حيوي عملي يؤدي بدوره إلى خلقٍ وإبداعٍ في مجال الكلمة وترجمتها إلى طاقة تغيير وإلى قيام عملية التواصل البناء تلك، أو إذا أردنا أن نسميها عملية ولادة الحوار الخلاق في حضن الإبداع أو قيام العلاقة الجدلية بين الذات والآخر من خلال الإبداع، أو ما شئت أن تسميها من تسميات، لكن يبقى لوجودها وسيرورتها وتجددها دورٌ كبير في رفع قيمة الكلمة في عصر ورفع قيمة متلقيها والعصر الذي يعيش فيه ورفع أدب عصرٍ بين آداب العصور وأدب المنتجين في بقعة من الأرض إلى مكانة أفضل من مكانة سواها بمعايير المقارنة الموضوعية. وإذا لم تتحقق تلك الفاعلية الخلاقة، وتبذل في سبيل تحقيقها الجهود الخلاقة أيضاً فإن كل قولٍ مجهض الغاية سلفاً، وكل إبداع نوع من التبر ملقى في أماكنه. وسيفضي الدوران في حلقة الكلمات المهملة إلى نوع من الدوران في حلقة مفرغة: لهاث في ركام الكلام يغدو اجتراراً في القراءة والكتابة، ثم يصبح تنصلاً من غاية القراءة وغاية الكتابة وقد يتحول في نفوس وأوقات إلى لهاثٍ في فضاء الإحباط يفضي إلى يأسٍ فإحجام عن الإنتاج.. ولن يتوقف تأثير هذا عند حدود الجدب الأدبي بل سيتخطاه إلى ما يمكن تسميته الجدب الروحي وإلى جدبٍ في كل مجالات الحياة الفردية والجماعية، على الصعيد الداخلي للفرد وعلى صعيد علاقاته مع الآخرين ومن ثم على مستوى التلاقي بين حضارةِ شعبٍ والشعوب الأخرى، وعلى ما يشكله هذا التلاقي من تأثير نوعي على حوار الحضارات وغنى الحضارة الإنسانية. ربما جاز للأديب أن يقول.. في لحظة من لحظات رؤيته لنفسه وفنه قطباً من أقطاب الوجود: « إنني أضع تاريخ الخبرة الإنسانية نصب عيني، وأنا أكتب وأضع لحظة من زمني مغموسة بمعاناتي وألمي في قوالب إبداع، مضيفاً إليها خبرتي الخاصة، وأنا أقدم خلاصة أفكاري وتفاعلي وتجربتي مع الحياة والناس في أطرٍ من العطاء الأدبي أحرص على أن تكون أخاذة الجمال، ملتصقةً بالواقع، معبرةً عنه هادفة إلى تغيير أو إثراء شيء فيه وقادرةً في الوقت ذاته على أن تجدد الإنسان وتحفزه على متابعة السير في طريق تحفها المخاوفُ وتعترضها الصعاب وتنبت على جانبيها التساؤلات وتتكاثف فوق مراحل منها سحبٌ شديدة الإظلام. وهدفي أن أجعل الحياة محتملة.. بل ممتعة ومحبوبة، وأن أكون خلال رحلتي فيها.. ملحوظاً أكثر فاعلية من غيري في تجميل لحظاتها أو تغيير مجرى تلك اللحظات إلى حيث تتوافر فيها شروطٌ إنسانيةٌ أفضل تجعل منها لحظات شديدة التوهج باعثة على السعادة والبهجة.. لائقةً فعلاً بأن يتمسك الإنسان بها ويحرص على أن يطول بقاؤه فيها ويستأنفها كل يوم بشغف. وربما جاز لمنتج الأدب أن ينظر إليه بتقديسٍ كبير ولكن عندما يصبح الأدب- رغم وجود هذه الإدعاءات العريضة- بضاعةً يروج لها كما يروج تجار لبضائعهم المغشوشة فإنه يدخل باب السلعة، ويربط حباله بالربح والخسارة وبنوع من الاحتكارات ويضطر إلى الدخول في مقايضات مع الجهات القادرة على الترويج والتلميع، عن طريق الإعلان والتضخيم والتفخيم، سواء أتمثلت تلك الجهات في سلطةٍ أم اتجاهٍ سياسي أم تنظيمٍ أم « شلةٍ» من تلك التي تحقق له الرواج وتفرضه على الناس بقوةً أساليبها لا بقوةٍ جاذبة نابعة منه، وبما توفره له من دعمٍ على الصعيدين المادي والمعنوي لا بما يتوافر فيه من مقومات البقاء والصمود والتأثير. ثوابت مبدئية وعندما يصل الأدب إلى هذه التخوم.. تخوم السلعة الملمعة ببهرج الإعلام وشطارة التسويق والتزويق ويتوغل في تلك الفيافي ويستسيغها.. فإنه يصل حقيقةً إلى مناطق الجدب والجفاف والعقم وإن انتشر وحقق صهيلاً في الساحات ومالاً في الجيوب!؟ ويصح أن نطلق عليه عندها جملةً من التسميات إلا تسمية الأدب مهما ادعى صاحبه «الأديب» من تحقيق لمواصفاته وصفات ادعاها لنفسه لإنتاجه، ذلك أن الأدب ألصق بالإنسان والحرية والعدل والحقيقة والصدق أكثر من أي شيء آخر، وأقرب إلى أن يكون فارساً نبيلاً من عصور الفروسية المتعالية بأخلاقيتها ونظافة سلاحها ونبل مقاصدها، تلك التي تقاتل دفاعاً عن القيم ويسيل دمها مروياً الثرى، ثم تضمد الجرح وتخفي أثر الدم حتى لا تكون في دوائر لفت الأنظار لغرض من أغراض الاشتهار فتحقق هدفاً يشفيها ويعلو بها ويعليها بنظر ذاتها أولاً وأخيراً. والأدب يفرض نفسه على الناس لأنهم يجدون أنفسهم في بعض شعابه، ويحملهم إلى ما يرتاحون إليه من رحابه، ولأنه يحمل طموحاتهم وقضاياهم وينطق بلسانهم ويقول ما يودون قوله أو يستطيبون قوله، وينقلهم على أجنحة من ضياء بين سماء متألقة وسماء، ويفجر فيهم ينابيع قيم وعطاء ويساعدهم على أن يكتشفوا وجودها بأنفسهم في أعماق نفوسهم عندما يغتسلون من أدران الجبن والخوف والأغراض المريضة، وهو اعتراضٌ، إن لم نقل ثورة، على واقعٍ سيء وظلم مقيم، وتخلف قتال، وخنوع لجبروت وذل أمام طاغوت، وهو طموح كبير لتحقيق واقعٍ أفضل على صعيد النفس والمجتمع والعالم. والأدب يُجِن في مشروعه مشروعّ عالمٍ جديد يرسمه بعناية ويفتق عنه الحجب ويجعله بمتناول الناس.. ويقدم من خلال ذلك المشروع رؤية بناءة متفردةٌ للحياة، وسلوكاً أمثل فيها، وتصوراً للعلاقات الإنسانية في العالم.. صورة لعلاقات تمتاز بسلامتها وصدقها وصحتها وجدتها وسمو أهدافها ونظافة وسائلها وأدواتها، وهو حين يقدم مشروعه في هذا الإطار أو يدعو له لا يكون من السلع العصرية في شيء، لا سيما سلع عصر العولمة ومعطيات المعلوماتية.. فهو في صلب مهمة البناء الكبير لتكوين تربوي يقيم الإنسان على أسس وثوابت مبدئية وخلُقية سليمة ومتينة. ولا يصلح الأدب أن يكون موضوع متاجرة من جهة، ولا يقيمه أن يكون بلا رسالة أو بلا هدف خلُقي أو اجتماعي أو إنساني وإبداعي عام من جهة ثانية. الأدب سلاح إنساني يشهر في سبيل مجد القيم ومجد الإنسان ورفعته وبقائه المتجدد: حراً سيداً كريماً معافى في عالم حر نظيف معافى، عالم لا تفترسه القوى والنفوس المريضة بالتسلط والعنصرية البغيضة، ولا تهيمن على شئونه الشخصيات المصابة بتورم روحي ومادي خبيث يفتك بالروح، ولا يشخصه الطب ولا يعالجه. وقد يعارض الأدب ويعارك من أجل أهدافه فيُدمي ويَدمى، ولكنه أبداً يربأ بنفسه عن أن يكون بوقاً لطغيان وستاراً لظلم، وداعية لعدوان واحتلال، ومشوّهاً لحقائق ووقائع ونضال مشروع تحت أية ذريعة، ومن باب أولى أنه يرفض أن يكون تابعاً وذيلاً أو سداة ولحمة لشلة نصب وغدر وتآمر وموت قيمة وروح من أي نوع.. وهو في تألقه وترفعه يصنع معارج رفعته ويرقى إلى مكانته، ويجعل الأديب في نشوة متسامية تجيز له أن يقول في لحظات انتشائه ما يحلو له أن يقول من قول جميل معسول منقذ ومسئول... حتى لو قال: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم ولا يسوغ الأدب لنفسه ولا ينبغي له أن يسوغ لنفسه أو يستسيغ أن يقف متفرجاً على الظلم والقتل والدم والتدمير والعدوان، وخراب العمران، وموت الأبرياء، والفتك بالبراءة، ويبقى متلهياً بشواغل واهتمامات يدعيها ويزين الانشغال بها عن سواها، تاركاً الجريمة والقوة الطغيانية والغيلان البشرية المتوحشة تتخطف الحياة، وتفتك بالأبرياء، وتدنس المقدس، وتفترس الحق والقيم، وتشوه الحقيقة والحرية والعدالة، وهو في مقيل بين ماء نمير وهواء عليل وظل ظليل وعرائش عنب وبنفسج ونخيل، يصنع معلقات عن الحب والحداثة والجنس وتفنن في ذلك ويتأنق، من دون أن يقترب من ساحة من يبيدون الجنس البشري ويرتكبون الجرائم الموصوفة بحق الإنسانية ويقلبون المفاهيم ويدعون إنقاذ الإنسان والحضارة بقتل الإنسان وتشويه قيم الحضارة وتاريخها!! إن في ذلك خيانة من فارس الكلمة لشرف الكلمة وشرف الرسالة التي تحملها، وتنصل من المسئولية عن الحياة وفيها، وضياع للأدب وتضييع له وللناس والقيم والحقائق في آن معاً.. لأن اهتماماً بغير ما يعرّش فوق كل لحظة عيش ويخنقها أو يمتص دمها؛ إنما هو اهتمام بغير ما يبني الحياة وينقذها، ويحمي الحق والحرية والعدل والإنسان فيها.. وحين يفقد الأدب الاهتمام بأهدافه وبرسالة الكلمة التي يحملها وبالحقيقة التي يعضدها أو ينشدها، فإنه يفقد مسوغ وجوده وشرف رسالته. وفي زمن يسود فيه إرهاب الدولة ورعاية أكبر قوة في العالم للإرهاب وشنها في الوقت ذاته حرباً على الشعوب والثقافات والخصوصيات الوطنية والقومية وسيادة الأمم والدول تحت غطاء مكافحة الإرهاب، بنفاق لا نظير له وتشويه للحقائق لا مثيل له أيضاً، فإنه لا يجوز للأدب أن يمالئ ويراوغ ويناور ويتلهى بعيداً عن ساحة المواجهة والقتال من أجل الحياة والإنسان والحرية والعدالة والإبداع، ولا يجوز أن نبحث في رحاب الكلمة عن رحابة اهتمامها بالحقاني والبطولي والوطني والإنساني العادل فنفتقده أو نجد أنفسنا على مشارف افتقاده، ونحن صباح مساء على مشارف بحيرات الدم المهراق لأبرياء، لا شرف للكلمة إن لم تقف إلى جانبهم وترفع قضيتهم وتترافع باسمهم... وفلسطين ساحة أنموذج والمقاومة هناك سراج وهاج يهدي بنوره من يشرح صدره لهداية ونور وحرية وتحرير. فهل نبني عرائشنا هناك؛ ونعيد على طريقة الجهاديين والاستشهاديين النوعيين، ونضحي في الأضحى مع الضحايا ضد الجلادين بكل جدية وقوة وانتماء ووضوح؟!إنه عندي سؤال العيد ولكل قوم عيد وعيد أهل الكلمة شرف كلمتهم ومقدسها وإبداعها في حماية الشرف والمقدس. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب