في حياتنا أنواع مختلفة من البشر، سواء كانوا من الأهل أو الأقرباء أو الأصدقاء أو الجيران، نسمع منهم ونعرف عنهم، ونتابع أخبارهم وانجازاتهم، نحب ما يفعلون، وقد نغبطهم أحياناً أو قد نغار منهم، وأحياناً كثيرة نتساءل عن سر نجاحهم أو تألقهم، وعن أسباب فشلهم واخفاقاتهم! وأسوأ خبر يمكنني أن أتلقاه عن انسان أعرفه جيداً وأتابع عمله، هو توقفه عن الانجاز وانسحابه من الحياة لأنه اقتنع بأنه حقق كل ما تمناه، وبأنه لم يعد هناك مزيد من الأهداف!! أعرف أناساً لا يتوقفون عن تحديد أهداف جديدة باستمرار، هؤلاء يؤمنون بالتغيير المستمر، ويفكرون بمنطق الطيور التي لا تعرف الالتصاق بشجرة واحدة وبعش واحد إلى الأبد، وهم يعترفون ايضاً بحاجة جميع البشر للتغيير المستمر، هؤلاء الناس تواقون للاندفاع الى الامام تحت قوة الضغط الذي يحدثه شعورهم بعدم الرضا ما يقودهم الى الانزعاج والتوتر والألم، لكنه الألم الذي يجب ان نتمناه جميعاً.. الألم الذي يتحول على الفور الى انجازات وتغييرات ايجابية. يقول أحد الكتاب بأنه قرأ على مدخل احدى الكليات عبارة جعلته يعيد التفكير في مجرى حياته كاملاً، والعبارة المنقوشة على حجر الرخام تقول: (اصعد إلى الأعلى، اصعد إلى أبعد نقطة، فهدفك هو في علياء السماء)، لقد ولّدت فيه هذه العبارة حالة من التوتر، فجلس على شاطئ البحر وأخذ يدون لمدة ثلاث ساعات متواصلة أهدافاً جديدة لحياته كجزء من عملية شاملة لرفع مستوى متطلباته في الحياة. لقد سجل على حزمة من الأوراق كل الامكانيات التي يمكنه القيام بها او امتلاكها او ابتداعها او تجربتها او المساهمة فيها، ووضع جانباً كل القناعات التي تحد من قدراته، ثم أعطى لنفسه خطاً زمنياً لتحقيق تلك الأهداف امتد من اللحظة التي انتهى فيها من التدوين وحتى عشرين سنة مقبلة، المهم انه لم يتوقف لثانية واحدة كي يفكر فيما اذا كان باستطاعته فعلاً تحقيق تلك الأهداف أم لا، بل حاول القبض على أي احتمال يمكن ان يكون مصدر إلهام له وسجله! وبالفعل فقد مضى يقطع طريق الحياة نحو غاية واحدة: تحويل غير المرئي الى مرئي، وتحويل الاحلام الى حقيقة، وبعد عدة سنوات كانت مجلة ذائعة الصيت تزوره في منزله لتجري معه مقابلة حول السبيل الذي اتبعه لاحداث تلك التغييرات التي لا تصدق والتي جعلته يتزوج فتاة أحلامه التي تصورها، ويسكن في المنزل الفخم الذي حدده بكل تفاصيله، ويمتلك المكتب الأنيق الذي حلم به، ويحقق شهرة واسعة في مجال تخصصه في الاستشارات النفسية على امتداد الولايات المتحدة.. تلك كانت تجربة (أنتوني روبنز) كما ذكرها في كتابه (أيقظ قواك الخفية)! تحديد الأهداف بالنسبة للبعض يعني تأجيل الاستمتاع بالسعادة والفرح اعتقاداً منهم بأنه سيأتي يوم يحققون فيه شيئاً ما في حياتهم وعندها سيكون بإمكانهم ان يستمتعوا بالحياة حتى آخر قطرة، لكن تحقيق الأهداف لا يكون واضحاً بالنسبة لهم ولذلك تطول سنوات الوصول للهدف وسرعان ما تنتهي بالتخلي عنه، وهذا أسوأ الأمور، ولذلك فإن الأهم ليس تحديد الأهداف، فالأهداف يمكن ان تكون مصدر إلهام ودافعية للأمام، غير ان معرفة الأسباب الحقيقية التي تجعلنا نريد تحقيق هذا الهدف تحديداً دون غيره هي التي تشكل الدافع الطويل الأمد والحافز الضروري للاستمرار وتحقيق ما نريد.. يجب ان نسأل أنفسنا سؤالاً كبيراً: لماذا نريد هذا الهدف بالذات؟