عندما يلتقي سوداني من قبيلة الدينكا في جنوب البلاد مع سوداني من قبيلة الفور في الغرب مع سوداني آخر من قبيلة الهدندوة في الشرق فإن الوسيط اللغوي المشترك بين ثلاثتهم هو اللغة العربية. ما المغزى؟ لماذا صارت اللغة العربية اللغة القومية للسودانيين قاطبة رغم اختلاف وتنوع أصولهم العرقية؟ حتى جون قرنق زعيم الحركة المسلحة في جنوب السودان التي تتخذ من معاداة العروبة شعاراً رئيسياً لا يجد إلا اللغة العربية عندما يريد مخاطبة جموع مقاتلي الحركة على مستوى القاعدة، فهناك ما ينيف على مئتي لغة قبلية في الجنوب ليس بينها لغة «قومية» واحدة. والسؤال المطروح ربما يتضح مغزاه إذا أعدنا طرحه بصيغة غير سودانية. فلماذا مثلاً صارت الانجليزية وليس الاسبانية أو الألمانية أو الايطالية، اللغة القومية في مجتمع متعدد الثقافات كالولايات المتحدة؟ ولماذا صارت لغة قومية «الهان» في الصين هي اللغة الغالبة التي تتخاطب بها كافة القوميات الصينية على اختلافها؟ بل ولماذا لم تتمكن لغة «الفيلك» الاسكتلندية في بريطانيا أو لغة «الولش» أو اللغة الايرلندية من ان تكون اللغة القومية للشعب البريطاني، ففازت بهذه المنزلة اللغة الانجليزية ـ لغة أهل انجلترا؟ وللحديث مناسبة. فقد أصدرت اليونسكو «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» للتو دراسة تقول ان نصف لغات العالم معرضة للضياع مع الاتساع المتسارع في انتشار «اللغات المهيمنة» ـ الانجليزية والفرنسية والعربية والاسبانية والروسية والصينية. وإذ تسجل الدراسة ان اللغات المعرضة لخطر الضياع يبلغ عددها نحو ثلاثة آلاف إلا انها تقول ايضاً ان «ضياع واختفاء اللغات مستمر منذ آلاف السنين كإجراء طبيعي في عالم البشر». اللغات كائنات حية، لكنها تتفاوت من حيث عناصر القوة وعناصر الضعف، وبالتالي تتفاوت في القدرات على البقاء. المجتمعات البشرية تتطور، واللغات تصمد أو تسقط بمدى قدرتها أو عجزها عن تلبية حاجات التطور. لكن عناصر القوة في لغة ما لا تأتي من فراغ أو بعوامل الصدفة البحتة، ان اللغات القوية القادرة على البقاء والاستمرارية والتطور دون ان تفقد هويتها وخصائصها الذاتية لا تكون كذلك إلا باعتمادها على حضارة قوية غالبة. وما كان للغة الانجليزية ان تفرض نفسها على قوميات بريطانيا لولا اعتمادها على قوة الحضارة الانجلوسكسونية، وكذلك الحال في الولايات المتحدة، ورغم ان كلاً من اسكتلندا وويلز وايرلندا أنجبت عباقرة في مجالات المعرفة إلا ان المنبع الأعظم لانجاب العبقريات كان في انجلترا. ومثل هذا هو ما جرى في السودان، فمع تفاعل الحضارات والأعراق في السودان لمدى قرون برزت الحضارة العربية بتراثها الضخم وانطلاقها من القيم الحضارية الاسلامية فسادت على ما عداها، لذا صارت العربية هي لغة التعليم الأساسية ولغة وسائط الاعلام والوسيط اللغوي المعتمد للتخاطب بين القوميات السودانية المتنوعة. ان دراسة اليونسكو تفيدنا بأن آلاف اللغات التي اندثرت والآلاف الأخرى المهددة الآن بخطر الاندثار هي كلها تقريباً لغات قبلية محلية ذات تأثير محدود «كلغات قبائل الهنود الحمر مثلاً» وكثير منها غير مكتوب. ومع استمرار تطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات مع وسائل السفر مما يتطلب تسارع التقارب بين أمم العالم فإن اللغات المحلية التي لا تستند إلا على قاعدة حضارية ضعيفة وهشة ومحدودة تظل قابلة للاندثار.