تصريحات ولي العهد السعودي الأمير عبد الله عن مشروعه لإعلان عربي يعلن الاستعداد للإعتراف العربي الكامل بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل الإنسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967 لا ينبغي أن تكون مدخلا لصراع عربي جديد، وإنما المطلوب أن تكون مدخلا لموقف عربي يوحد الجهد ولا يبدد الطاقة العربية، وفي نفس الوقت لا يفتح الباب أمام المزيد من التنازلات ولاشك أن الموقف السعودي الجديد ينطلق من حقيقة أن الدول العربية منذ أن قبلت بمعادلة مدريد قد فتحت الباب أمام علاقات طبيعية في المنطقة تقوم على المبدأ الذي طرحته مدريد أي الأرض مقابل السلام .. أو الإنسحاب الإسرائيلي مقابل السلام معها، وهو ما فسره كل طرف بطريقته، فحرصت إسرائيل على ألا تنسحب إلا من أقل جزء من الأرض المحتلة مقابل السلام الكامل والاعتراف النهائي بها بينما كان الجانب العربي يحرص على العكس .. أي كل الأرض المحتلة مقابل أقل قدر من تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فرض الامر الواقع الذي حدث بعد ذلك معروف . وهو أن إسرائيل - بالدعم الأمريكي الشامل - نسفت كل فرص التسوية رغم كل ما وفرته لها من مزايا، لأنها كانت ترى أن الوقت مناسب لكي تفرض شروطها كاملة وتضع السلام الإسرائيلي موضع التطبيق، وهو السلام الذي تتصوره مدخلا للهيمنة الكاملة على المنطقة وفرض أمر واقع يقوم على موازين القوى التي تميل لصالح إسرائيل بالدعم الأمريكي في هذه المرحلة . وهكذا أوصلت جهود التسوية إلى مأزق، بعد مسلسل من التسويف والتلاعب الإسرائيليين والتنازلات الفلسطينية المجانية حتى وصلنا إلى مرحلة التفاوض على نصف شارع وربع منزل، قبل الوصول إلى مرحلة كامب ديفيد الثانية التي أصبحت فيها المفاوضات على السيطرة على القدس والمسجد الأقصى تجري بمبدأ حبه فوق وحبه تحت.. أو السيطرة تحت الأرض وفوق الأرض وهو ما أدي في النهاية إلى إشتعال الموقف وإندلاع الإنتفاضة التي اصطدمت بعد ذلك بتعقد الموقف الدولي بسبب أحداث 11 سبتمبر وبسبب التحالف بين شارون وبوش الذي وفر لحكومة السفاحين في إسرائيل أن تمارس حربها القذرة ضد شعب أعزل تحت الاحتلال في محاولة لارغامة على الاستسلام دون قيد أو شرط. وسط هذا المناخ المتفجر، والذي يخوض فيه شعبنا العربي في فلسطين حربه البطولية ضد الاحتلال الإسرائيلي . ووسط حملة ترهيب أمريكية تصب في مصلحة شارون وتتهم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وتتهم الدول العربية بدعم الإرهاب وتعد العدة لعدوان جديد على دول عربية أخرى في مقدمتها العراق .. وسط هذا كله تأتي مبادرة الأمير عبد الله لتعيد طرح القضية في إطار سياسي يستقطب الاهتمام ويستحق النقاش الموسع بحثا عن طريق عربي للتعامل مع الأزمة المتفجرة . وإذا كانت النظم العربية قد قبلت - كما قلنا - مبدأ التسوية السياسية من خلال صيغة مدريد، فإن عقدا كاملا قد أوضح أن الطريق لن يكون سهلا، وأن الكيان الصهيوني هو بطبيعته كيان عدواني يعرف جيدا أنه إذا فقد القدرة على التوسع فقد فقد القدرة على البقاء. ومن هنا إدراكه - وإدراك أمريكا- أن التسوية المطلوبة ينبغي فرضها على العرب حين يكونون في أقصي درجات ضعفهم، لكي لا يكون أمامهم إلا التسليم بشروط العدو. اللحظة المناسبة ومن هنا فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه : هل هذه هي اللحظة المناسبة لتسوية نهائية للصراع العربي - الإسرائيلي؟ وإذا كانت هذه هي اللحظة المناسبة فبأي شروط ؟ وإذا لم تكن كذلك فما هو العمل ؟ إن التسوية المقبولة والقابلة للحياة هي تلك التي تعكس توازنا حقيقيا في القوي ورغبة في التعايش والتي تحقق مصالح كل الأطراف والعقبة الأساسية الآن أمام مثل هذه التسوية هي سيطرة اليمين الفاشي على إسرائيل وتحالفه مع يمين أمريكي يريد أن يفرض هيمنته الكاملة على العالم دون شريك وهذا التحالف لن يقبل بأي حال من الأحوال إلا التسوية التي تحقق مصالحه وتفرض شروطه وتؤكد تفوقه وهو ما لن يقبله العرب بأي حال من الأحوال. ومن ناحية أخرى فإن لدينا مشروعا للتسوية منذ ربع قرن تجدد في مؤتمر مدريد يقوم على الإنسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من يونيو 67 مقابل إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات طبيعية مع الدول صاحبة الشأن، وهو ما يفترض أنه تحقق مع مصر والأردن رغم الرفض الشعبي لتطبيع العلاقات مع عدو مازال مصرا على احتلال الأرض وإنتهاك الحرمات والعصف بحقوق الشعب الفلسطيني. هذه التسوية مازالت مرفوضة من إسرائيل بالنسبة للأراضي الفلسطينية، كما أنها مازالت تريد أن تترك لها موضع قدم في لبنان من خلال مزارع شبعا بعد إضطرارها للإنسحاب من الجنوب اللبناني، وفي نفس الوقت ترفض تطبيق مبدأ العودة لحدود الرابع من يونيو بالنسبة للجولان السوري. ولو كانت العلاقات الطبيعية هي الهدف، لما وجدت إسرائيل فرصة أفضل من التي وفرتها صيغة مدريد، ولسارعت بالإنسحاب إلى حدود الرابع من يونيو لكن التوسع وليس السلام هو الهدف الحقيقي للصهيونية، وضمان التفوق هو المطلوب وليس ضمان الأمن كما كانت تدعي منذ نشأتها . ونقطة أساسية أخرى، وهي أن التسوية النهائية لايمكن أن تتم إلا بمعالجة موضوعين هامين تعرف أمريكا أولا وإسرائيل ثانيا أن أوضاع المنطقة لايمكن أن تستقر إلا بالوصول إلى حل حاسم لهما والموضوعان هما قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم الثابتة في العودة والتعويض ثم قضية إنفراد إسرائيل بإمتلاك السلاح النووي في المنطقة، ورفضها - حتى الآن - لأي رقابة دولية على منشآتها النووية، ورفضها أيضا لكل المبادرات العربية الداعية لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية . وهو أمر لن تكون نتيجته إلا دخول دول المنطقة في سباق نووي لأن أحدا لن يرضي بإنفراد إسرائيل بهذه الأسلحة وإستخدامها لها في إبتزاز دول المنطقة ومحاولة فرض هيمنتها على المنطقة. تقديم رؤية واضحة ومع ذلك فإن انتظار هذا الحل النهائي لا يعني أن يظل العرب طرفا سلبيا ينتظرون المبادرات من الآخرين، أو يرفضون الحوار مع العالم من أجل إسترداد حقوقهم، أو يعانون من آثار جريمة لم يرتكبوها وإن كانت كل المحاولات تستهدف أن تجعلهم - وهم الضحايا - مسئولين عن الإرهاب في العالم . وليس المطلوب من العرب أن يتسولوا حلا أمريكا يخرجهم من ورطتهم! وليس المطلوب أن يتنازلوا عن حقوقهم ولا أن يواصلوا تقديم التنازلات المجانية ! وليس المطلوب أيضا أن يتصوروا أن العالم قد إنتهي عند هذه اللحظة التي يبدو فيها العرب الطرف الضعيف .. فهي لحظة طارئة لابد أن يتم تصحيحها عندما يجتاز العالم كله الأزمة التي يعيشها الآن وإنما المطلوب أن نقدم للعالم رؤية واضحة وأن نكون جادين في التعامل معها وفي التمسك بها وفي إستخدام كل الإمكانيات العربية من أجل إقرارها . وهذه الرؤية ينبغي أن تقوم على محاور أساسية : - إن القضية في أساسها هي قضية احتلال للأرض العربية ينبغي أن ينتهي وليست قضية أمن إسرائيلي مكفول بحكم التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي الذي لا ينتهي. - إن العرب قدموا بصيغة مدريد أقصى ما يمكنهم من تنازلات والفلسطينيون قبلوا 22% من أرض فلسطين ليقيموا عليها دولتهم، مقابل اعترافهم بدولة إسرائيل على 78% من أرض فلسطين المغتصبة والسوريون وافقوا على أوضاع شبيهة بعلاقات مصر والأردن مع إسرائيل مقابل إنسحابها من كل الأراضي السورية المحتلة في الجولان وليس مطلوبا من العالم - وأمريكا في المقدمة - إلا إرغام إسرائيل على تنفيذ ما تعهدت به وما كانت أمريكا ضامنة له مع الأخذ في الاعتبار أن حل قضية اللاجئين الفلسطينيين شرط أساسي للقبول العربي بهذه التسوية، وأمر تفرضه الشرائع والقرارات الدولية الواجبة التنفيذ . - إن كل الدول العربية مستعدة للإعتراف بإسرائيل بعد ذلك، وبعد التوصل لحل قضية السلاح النووي الإسرائيلي وقبول الكيان الصهيوني بالتخلي عن هذه الأسلحة وإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية منها وإذا كانت مبادرة الأمير عبد الله ستكون مدخلا طيبا لنقاش يؤدي إلى بلورة موقف عربي يؤكد على الرغبة العربية في السلام ويربط أي تسوية نهائية بحل عادل يضمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وبنزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة . فإن مبادرة أخرى للأمير عبد الله ينبغي أن تكون في صلب هذا النقاش، وهي المبادرة التي تمثلت في خطابه في الاجتماع الأخير لقادة دول الخليج والذي أشار فيه إلى ضرورة المصالحة العربية وتساءل: أين الوحدة الاقتصادية العربية وأين مجلس الدفاع المشترك؟ وإذا كانت الجهود من أجل التعاون الاقتصادي العربي ستجد مكانا في القمة العربية القادمة فإن جهود المصالحة تحتاج إلى حديث صريح في هذه القمة وإلى تحميل كل الأطراف لمسئوليتها فليس مقبولا في هذه الظروف الدقيقة أن يغمض البعض العيون عن الأخطار المحدقة بالعرب جميعا، وليس مقبولا أن نشهد حملة على الأمين العام للجامعة العربية لمجرد أنه حاول تطبيق قرار سابق للقمة العربية بإستمرار جهود المصالحة، وليس مقبولا أن تظل اعتبارات الثأر تحكم مواقف الأشقاء، وليس مقبولا أن نتسول كل شئ من أمريكا : السلام مع إسرائيل، والأمن لانفسنا والثأر من الآخرين . إن أحد لن يغفر للنظم العربية إذا تركت أي فرصة للمصالحة ولم تنتهزها ولن تغفر الشعوب لحكامها إذا تغلبت الحسابات الصغيرة والشخصية على مصالح الشعوب، وإذا تركنا مخططات الأعداء لتدمير الأمة تسير في طريقها، ونحن نتفرج أو نكتفي بإبداء الأسف على ما كان وما سيكون ! ويبقي السؤال الهام الذي طرحه الأمير عبد الله في قمة مسقط الأخيرة، والذي نتمنى أن يعيد هو أو غيره من القادة العرب طرحه على القمة العربية القادمة، وهو : أين الدفاع العربي المشترك؟ وقد يرى البعض أن السؤال خارج المقرر بحكم الظروف التي يمر بها العرب، وبحكم الحملة الدولية التي يواجهونها، وبحكم أن الخطاب العربي المطلوب لابد أن يكون خطاب سلام. مخاوف مشروعة وليس لكل هذه المخاوف ما يبررها فحديث السلام لا يتعارض مع فتح ملف الدفاع العربي المشترك بل يتكامل معه فالسلام لا يحققه الضعفاء بل يصنعه القادرون عليه ويفرضه التوازن في القوى والعدو الإسرائيلي لن يرضخ لشروط السلام العادل إلا إذا واجه أمة مصممة على حشد قواها من أجل الدفاع عن نفسها ولن يكون مقبولا أن تنفق الدول العربية عشرات المليارات في كل عام على الدفاع في غياب تنسيق الجهود بما يؤدي إلى قيام القوة العربية القادرة على حماية الأرض العربية وتوفير الأمن لشعوبها دون حاجة لتدخل خارجي يفرض شروطه ويلعب لمصلحته وحدها ! إنه طريق واحد ينبغي أن نسير فيه .. نقدم مبادرتنا للسلام ونطلب تنفيذ القرارات الدولية، ونوحد الصف حول قضايانا الأساسية، ونعلن أن الوحدة الاقتصادية هدف أساسي وأن الدفاع العربي المشترك هو وسليتنا لتحقيق الأمن العربي، ثم لا نسمح لأحد بإبتزاز اللحظة وفرض شروطه علينا ونتأكد أننا حتى في لحظة الضعف العربية التي نعيشها - قادرون على الصمود وأن الاعداء والخصوم - حتى وهم يمارسون حماقة القوة التي يملكونها - ليسوا في أفضل حالاتهم . إن العالم يتغير .. والسطوة الأمريكية تواجه التحدي، وأوروبا تعلن معارضتها للسياسة الأمريكية في فلسطين والتأييد الأعمي لشارون والاستعداد لضرب العراق،وشعبنا المجاهد في الأرض المحتلة ينتقل بكفاحه إلى مرحلة حاسمة رغم كل الممارسات الإسرائيلية النازية والدعم الأمريكي لها، وحكومة شارون في مأزق بعد أن فشلت في قمع الشعب الفلسطيني رغم حرب الإبادة التي تخوضها ضده، والمجتمع الإسرائيلي ينقسم على نفسه ويسأل للمرة الأولي منذ سنوات : إلى أين ؟ وما هو المصير ؟ وما هي نهاية بحر الدم الذي يقود شارون الإسرائيليين إليه ؟ يحدث كل هذا والعرب في أضعف حالاتهم .. فماذا لو صلبنا القامة، وتعاملنا مع الأزمة بوعي وتصميم، وقدمنا للعالم رؤيتنا للسلام العادل، وقدمنا معها تصميمنا على بناء قوتنا وعلى دعم المقاومة المشروعة للإحتلال حتى ترضخ إسرائيل لشروط السلام العادل، وتدرك أمريكا أن لها مصالح لن يؤمنها إنحيازها الكامل ضد العرب؟! ـ نائب رئيس تحرير اخبار اليوم المصرية