تجمع كل الاشارات الصادرة عن واشنطن وعواصم الدول الكبرى على ان الولايات المتحدة عازمة على مهاجمة العراق وتغيير نظامه، وان السيناريوهات المطروحة لذلك باتت جاهزة لا تنتظر سوى التنفيذ. وبكلام آخر فإن التغيير الامريكي في العراق ربما اصبح امرا مفروغا منه، والمسألة هي مسألة وقت، وما اذا كان سيتم استخدام سلاح الضغوط السياسية والدبلوماسية اولا، أم المباشرة في العمل العسكري. ولكي لا يترك المسئولون الامريكيون اي شك حول نواياهم وخططهم فقد اصبحوا يصرحون عنها علنا، دون اهتمام حتى بإبداء الاسباب او المبررات، منذ ان اطلق الرئيس الامريكي جورج بوش اشارة البدء في خطابه عن حالة الاتحاد أواخر يناير حين اعتبر العراق وايران وكوريا الشمالية «محورا للشر» في العالم. اشارات أمريكية متواترة في غضون الاسبوع الماضي كان هناك كم هائل من هذه الاشارات، التي امكن رصدها بسهولة: ـ وزير الخارجية الامريكي كولن باول يعلن (15/2) ان النظام العراقي يجب ان يتغير او يتم تغييره، وان الولايات المتحدة على استعداد للتحرك بمفردها اذا لزم الامر لتحقيق هذا الهدف. ـ نائب الرئيس الامريكي ديك تشني يقول في اليوم نفسه في مداخلة امام مجلس العلاقات الدولية في واشنطن ان الشعب الامريكي والمجموعة الدولية سيدعمون عملا عسكريا ضد العراق اذا اقتضى الامر ذلك. ـ مستشارة الرئاسة لشئون الامن القومي كوندوليزا رايس تؤكد (14/2) ان الولايات المتحدة تدرس مجموعة من الخيارات ولا تستبعد ايا منها حول العراق، مضيفة ان الرئيس الامريكي جورج بوش اعلن صراحة ان العالم يواجه مشكلة مع العراق وان الوضع الراهن ليس مقبولا. وكان الرئيس بوش نفسه قد قال قبل ذلك بيوم واحد (13/2) وفي مؤتمر صحفي مع الرئيس الباكستاني برويز مشرف في واشنطن انه سيلجأ الى كافة الوسائل الضرورية لمنع العراق من الحصول على اسلحة دمار شامل من شأنها ان تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. وأضاف بوش «لا تخطئوا فإن دعت الحاجة سنلجأ الى أي عمل ضروري للدفاع عن الامريكيين، وهذا الانذار واضح بشكل كاف ليفهمه العراق»، وقال بوش في هذا المؤتمر الصحفي ايضا انه سيحتفظ بكل الخيارات المتاحة، والتي اعلن انه لن يكشف عنها. ـ وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد تحدث في مؤتمر صحفي «12/2» قائلا ان العراق اصبح اكثر خطورة على جيرانه مع مرور أعوام دون وجود مفتشين دوليين في أراضيه. اما الصحافة الغربية فهي الأخرى تنسج على نفس المنوال ومن أهم ما قيل في هذا الموضوع في اليومين الماضيين، ما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية «14/2» عن مصادر أمريكية ودبلوماسية قالت ان البنتاجون ووكالة الاستخبارات الامريكية بدأتا الاعداد لشن هجوم خلال الاشهر المقبلة على العراق بهدف قلب نظام الرئيس صدام حسين. وقالت الصحيفة ان حوالي 200 الف عسكري امريكي سيشاركون في هذه الحملة. وكتبت الصحيفة دون ان تكشف مصادرها ان واشنطن شكلت حكومة حرب برئاسة جورج بوش، والتي كانت قد اعتبرت بنهاية شهر يناير ان سياسة الاحتواء فشلت وينبغي القيام بعمليات ملموسة لقلب النظام العراقي. كما اكدت ان خططا لشن حرب خفية وعلنية عرضت خلال الايام الماضية على الرئيس الأمريكي. صحيفة «يو.اس.ايه توداي» الامريكية نقلت «12/2» ايضا عن دبلوماسيين ومسئولين امريكيين قولهم ان بوش يعد لعمل عسكري ضد العراق ويسعى لحشد تأييد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط له. ونقلت الصحيفة عن مسئول في البيت الابيض قوله ان من المتوقع ان يبحث نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني خلال جولته الشهر المقبل في المنطقة «والتي تشمل كل من السعودية والاردن وتركيا والكويت ومصر والامارات والبحرين وقطر وسلطنة عمان واسرائيل» جهود اسقاط النظام العراقي. وذكرت الصحيفة ان زعيما اجنبيا التقى بكبار مسئولي الادارة الامريكية الاسبوع الماضي قال لمساعديه انه مقتنع بأن بوش قرر مواجهة صدام. الخيارات العراقية هذه الاشارات الامريكية المتواترة تدل بوضوح على ان ادارة بوش قد حزمت امرها باتجاه مهاجمة العراق، وبقي تحديد الوقت والطريقة التي سيتم بها هذا الهجوم. والسؤال الآن هو: ما هي الخيارات التي امام العراق كي يتفادى من خلالها مثل هذه الضربة؟ يجمع المراقبون على ان هذه الخيارات قليلة اصلا، وهي تتناقص باستمرار، وربما يصبح الوقت متأخرا في غضون الاسابيع او الاشهر القليلة المقبلة بالنسبة لأي منها لكن ربما كان مفيدا مع ذلك ان نستعرض بعض هذه الخيارات. فحتى الآن على الاقل لا يوجد مسئول عربي لم يصرح بالقول انه ضد ضرب العراق. وهذا جميل حقا ولكن ما هو مطلوب حقيقة هو كيفية تفادي الضربة العسكرية الامريكية قبل حدوثها فعلا. ولتفادي هذا الخيار لا تنفع التصريحات، بقدر ما ينفع عمل شيء على ارض الواقع يثني واشنطن عن قرارها أو يجعلها تصرف النظر عنه مكرهة. فما هو هذا الشيء؟ اعتقد ان الاجابة لابد ان تأتي من العراق نفسه، وربما ساعدته بعض العواصم العربية في ذلك، اقصد ان تبدأ الحكومة العراقية في القيام باصلاح أوضاعها الداخلية، فتشرع في الانفتاح على القوى السياسية والفكرية الاخرى داخل البلاد، وتعلن عن برنامج للتحول الديمقراطي وكسر احتكار حزب البعث للسلطة، تجري على اثره انتخابات ديمقراطية حقيقية يرافقها اطلاق الحريات العامة، كي يستعيد المجتمع العراقي عافيته ويصبح قادراً على تجديد دورة حياته الطبيعية. بهذه الطريقة يستطيع العراق ان يغير من الصورة التي رسمت له حتى الآن في الذهنية السياسية الغربية، ويثبت في الوقت نفسه انه قادر على ترتيب اوضاعه وحل مشاكله من دون تدخل خارجي، وبهذه الطريقة ايضا سوف يبهت الحديث الامريكي عن التغيير في العراق الذي لن يعود له من معنى. هل سيقال ان هذا تدخلا في الشئون الداخلية؟ ليكن، فصديقك من صدقك القول، لا من صدقك، وفي اوضاعنا العربية المتأزمة احوج ما نكون الى الصديق الشجاع والصريح، وليس الصديق المخاتل الذي يسمعنا ما نود سماعه، ثم يقلب لنا ظهر المجن ساعة المحنة. نقول ذلك لانه أمر مؤسف ان يظل بلداً مثل العراق رهينة طوال اثني عشر عاما، تحت رحمة الأمم المتحدة والدول النافذة فيها، لا يفعل سوى انتظار مبادرات وتصريحات الآخرين، وكل مطمحه هو رد الاعتداءات عليه والحيلولة دون ضربه، وحتى في حالة النجاح في ذلك، وهو نجاح مؤقت على أية حال، فهل يمكن اعتبار هذه سياسة؟ يستطيع العراق ان يظل بطبيعة الحال على مواقفه الحالية وان يواصل عملية المقارعة مع الادارة الامريكية، لكني اعتقد ان هذه السياسة مآلها الى زوال. الحل الآخر امام العراق ربما كان هو فتح قنوات دبلوماسية مع الامم المتحدة تفضي الى عودة المفتشين الدوليين الى بغداد والعمل على استكمال تنفيذ ما تبقى من قرارات الامم المتحدة ذات الصلة بحرب الخليج، وهذا الخيار يشجعه الكثير من الدول التي لا تشاطر واشنطن «علنا على الاقل» موقفها من مهاجمة العراق مثل روسيا وفرنسا. لكن بغداد تخشى ـ وقد تكون محقة في ذلك ـ من ان يستغل مثل هذا الخيار من قبل الولايات المتحدة لادخال الملف العراقي مرة اخرى في متاهة اللجان الخاصة وتقارير المفتشين والصراع داخل مجلس الامن، وبما يطيل امده، ولا يضمن في النهاية عدم القيام بعمل عسكري ضد العراق. ان مثل هذا الاحتمال وارد بطبيعة الحال، لكن المشكلة هي ليست البحث عن الجيد بين السيء من الخيارات، وانما في انعدام هذه الخيارات اصلا، وعدا ذلك فإن الاسوأ يبدو أنه قادم في الطريق، وهو ما يميل الكثيرون الى توقعه، سيما ان بغداد لا يبدو للاسف أنها سوف تتزحزح عن مواقفها، فكان الله في عون العراقيين. ـ كاتب بحريني