لا يفعل العيد لك شيئاً، سوى أنه يخبرك قبل مجيئه بليلة: لا تنتظر السعادة ولا الفرح، وإياك أن تذهب إليهما لأنهما ليسا في أيّ مكان. هما فيك أنت، وعليك صناعة المناخ الملائم للسعادة لتكتشف انك تسبح في مائها بانسياب أكثر شفافية من كلمة «أحبك» يقولها رجل لزوجته بعد أكثر من عشرين عاماً على رباط المودّة. إنه العيد.. جيلاً بعد جيل يزورنا، لم ينكث يوماً بوعده، وما أخلّ بموعده، يأتي محمولاً بالطهر والوداعة ليلقي التحية علينا ويمسّد وجوهنا بعطوره العتيقة. «كل عام وأنتم بخير».. عبارة ودودة وعفوية، وعلى براءتها فإنها تنطوي على محبة نابعة من الصميم وألفة تزخر بأمنيات الخير والهناء. اما العيد الذي نحياه معاً، فهو أولاً وأساساً محطة اجتماعية نحرص من خلالها على إرواء شجرة العائلة بعذب المياه وأطهرها، وتجديد صلات القربى والتراحم بين الأهل، وتعزيز روح العلاقة الحميمة بين الأصدقاء. بهذه الروح إذن، نستقبل العيد، ونجعل منه مناسبة لجمع الشمل، وبهذا المعنى يصبح حاجة انسانية لمزيد من التواصل وتعزيز الأواصر بين الناس، بعدما كادت هذه المزايا تنقرض تحت وطأة الزمن الاستهلاكي الذي طغت فيه المصالح الذاتية على مجمل العلاقات الإنسانية. العيد فلسفة فرح.. وقد سألت نفسي مرة: كيف يمكن للإنسان تقبّل فكرة أنه سيفرح في أيام محدّدة من السنة، من دون أن يكون لهذا الفرح سبب، فقط لأنه عيد؟ هذا السؤال المراهق، قادني من يدي إلى خشوع كبير وإيمان مطلق بديننا الحنيف وعبقرية تشريعه وفهمه العميق والبعيد لطبائع الإنسان وأسرار نفسه التي يموت كثيرون منا قبل أن يصلوا لمعرفة القليل منها. العيد يقول لنا: أنت تسعد إن أردتَ ذلك.. هكذا بكل بساطة، عليك أن تفهم الحقيقة الأخرى بنفسك: أنت بائس لأنك تريد ذلك لنفسك، وليس لأيّ شيء آخر. أجمل الأعياد ما يجمعك والأهل تحت أفياء شجرة العائلة الوارفة الظلال، هناك بجوار أمك وأبيك واخوتك، حيث الحنان والحب يفيضان بدفئهما من إناء المحبة، لكنك وأنت بعيد يصبح الأمر مجرّد طيف عابر لا يترك أي أثر في الروح. في العيد كنا ننهض باكراً، نكنس عن الشمس نعاسها، ونستحثّها لترتّل الضوء على البسيطة، كنا نتحلّق في دائرة أليفة وسط فناء دارنا نتوزّع كعكة العيد قطعة قطعة، ثم نذهب إلى الساحة الكبيرة، تلك الساحة التي لم ننتبه لرحابتها، ولنقاء نسيم الصبح فيها سوى لحظة العيد، ونصلّي بثياب طاهرة، ونصافح الناس بقلوب حارة. وحين تعود من ساحة العيد إلى بيتك لا تنسى مصافحة جارك «المسنّ» ومداعبته بكلمات لطيفة، ودعوته إلى فنجان قهوة فإن وافق.. وإلا فإنك ستزوره بعد حين لتشرب أنت من فنجان قهوته، وتفك بأصابعك علبة الحلوى التي يشعرك صوتها بقدرة الأذن على التذوّق تماماً مثل اللسان.. فصوتها وهي تُفضّ يشبه طعم العسل. وفي العيد، تعرف أن لنفسك عليك حقاً، تصطحب الأولاد إلى المراجيح، أو هكذا تدّعي، لأنك في داخلك تأخذ نفسك إلى المراجيح، وتصبّ في عينيك صخب ضحكات البالونات الملوّنة، فينهض في عروقك طفل هو أجمل ما فيك.. يركض ويركض.. يرتق شقوق الأرض بأهازيج وأغنيات. ولعلّ أسمى رسائل العيد التفكير بالآخرين، واستحضار معاني التضحية الحقيقية بالنفس والمال لإغاثة ملهوف ونصرة مظلوم. وفي الأضحى يتجلّى هذا المعنى بوضوح تام، فالكلمة لا تحتمل سوى تفسير واحد ووحيد، فالأضحى هو أرقى أشكال التضحية، وهل أجمل من التضحية في سيرة البشر؟ وغنّي عن القول، إن في العيد تتجسّد معاني الأخوة وروابط الدم والقربى. وفيه يغدو التعبير أكثر إلحاحاً عن مشاعر التضامن مع مقاومة أهل فلسطين لجبروت «الثور الهائج» على أرضهم الطيبة، فهؤلاء البشر يثبتون يوماً بعد يوم انهم من طينة اخرى في تقديم التضحيات ورفض الذل، رافعين شعارهم الحرية أو الموت، ومتمسكين بنافذة الأمل نحو الاستقلال، وحينئذ يقيمون عيدهم الأكبر.