ساد في الآونة الأخيرة، بالتحديد بعد أحداث 11سبتمبر الماضي نغمة قديمة جديدة، تتحدث عن ضرورة اطلاع العالم الغربي بعامة والأمريكي بشكل خاص، إيصال الرسالة الحضارية التي تتحلى بها الأمة العربية والإسلامية، لان ثمة ضبابية تكتنف معرفة حقيقة هذه الرسالة التي تؤمن بالتعايش، ليس مع حملة الديانات الموحدة وحسب، بل ومع كل القيم الإنسانية التي تستند إلى بعد حضاري يؤمن بالحوار الجاد والبناء. وقد أصبح هذا المطلب أو الخطاب يتداول في وسائل الإعلام على اختلافها وتنوعها، كالنار بالهشيم، لدرجة ذهب بعض الدارسين والسياسيين والمتخصصين بإلقاء التهم جزافاً، تارة على وسائل الإعلام، وأخرى على المؤسسات السياسية العربية التي ترتبط بهذا الشأن، بشكل أو بآخر، بل أكثر من ذلك بدأ الشغل الشاغل، للكثير من هؤلاء. حيث بدأت تنهال على مسامعنا الكثير من المصطلحات والشعارات المجوفة التي تفتقد إلى فهم الآخر أصلاً، بداية من ضرورة الاعتراف بالآخر وانتهاء بضرورة حوار الحضارات، وكأن ثلاثة آلاف سنة خلت، من التواصل بين أبناء البشر قد اختصرت في لحظة انهيار برجي التجارة العالمي، لدرجة أننا نسينا أن جموع المستشرقين، هم من أوائل من أرخ لنا، وأن المتاحف الغربية قامت على أساس من تراثنا الإنساني، بمعنى آخر أنها تغص بالمخطوطات العربية الإسلامية، التي لا يزال جزءاً منها قيد التحقيق. ناهيك عن علوم الآثار والرقيمات والمعالم الغربية التي بنيت في بلادنا منذ أكثر من ألفي عام ونيف، ولا تزال شاهداً على حالة التواصل بين الشرق والغرب، حتى لتأخذني الجرأة بالقول أننا استعمرنا من هذا الغرب أكثر، بذات القدر التي تدل على تاريخ هذه الأوابد. بموازاة ذلك بقيت فكرة صدام أو صراع الحضارات بعيدة عن كونها أحدث التكهنات؛ فهي بضاعة قديمة روج لها الكثيرون ومنهم روديارد كبلنج في مقولته:«الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب ولن يلتقي الاثنان أبداً». لكن طرح الفكرة في حد ذاته ليس ببراءة القديم الذي عفا عليه الزمن؛ فهو يحمل طابع الحتمية المتحيز، وينذر بالسوء فيما ينطوي عليه من احتمال لتحقيق الذات. وعيبه الأكبر كما يقول الكاتب والمفكر العربي وليد الخالدي: «أنه يلغي المبادرة الإنسانية. وهذا هو السبب في أن حلاً قابلاً للحياة يجب أن يخطف هدير كل الاسترجاعيين - من الصليبيين والصليبيين بالوكالة والجهادات والجهادات المضادة». ولادة الحركة الصهيونية الصهيونية المسيحية هي الباعث الروحي لنشأة الصهيونية اليهودية. وعلى الرغم مما يشيعه العديد من كتاب التاريخ ومما تحمله الكتب والمراجع بين دفتيها، حول لحظة ولادة الحركة الصهيونية ومما يشيعه الكتاب الصهاينة، إلى أن لحظة التشكل تعود إلى أيام السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد حين كان أبناء السبي يرنون بأبصارهم صوب صهيون. يندبون المجد الزائل، ويتغنون بالمجد الآتي. متسلحين بما جاء به المزمور والذي يقول: «على أنهار بابل، هناك جلسنا. بكينا عندما تذكرنا صهيون. إن نسيتك يا أورشليم تنسن يميني. ليلتصق لساني بحنكي أن لم أذكرك. إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي». وقد عبر عن ذلك الأيديولوجي الصهيوني الشهير «ناحوم سوكولوف» عن هذا الاعتقاد بقوله: «أنه منذ تدمير الهيكل، أي ما يقارب عن ألفي عام لم يفارق اليهودي حنينه إلى فلسطين». واعتبرت هذه الكلمات، هي الشعار الحي المتجدد التي تمثل بذور الصهيونية. وقد بقيت فكرة الصهيونية ودولة اسرائيل، حية في كلمات هذا المزمور، وغيره من أشعار العهد القديم. أي أنها ذات أثر سحري خارق في نفوس اليهود وشيئاً فشيئاً أصبحت البذرة الأولى للحركة الصهيونية. بصرف النظر على ما شهدته التغيرات التاريخية في العالم بشكل عام، وفي أوروبا وأمريكا بشكل خاص، فالقرن الثامن والتاسع عشر يشهد، أنه لم يبق في أمريكا الجنوبية إلا حفنة من اليهود، وتم اندماجهم بالسرعة نفسها في فرنسا وانجلترا وهولندا. وأن اليهود المندمجون بالغرب لا يعترفون بأية قرابة مع اليهود المتواجدين في البلدان العربية وبلدان شرق أوروبا وتركيا. وفي رسالة وجهها بعض اليهود البرتغاليين إلى فولتير، يقولون بأن: «الشبه بين اليهودي من لندن واليهودي من القسطنطينية، كالشبه بين هذا الأخير والحاكم الصيني ويهودي من مدينة بوردو، لا يشبه أبداً يهودياً من مدينة ميتز». أي بمعنى آخر أنه لا المزمور السابق الذكر ولا كلام سوكولوف هو الأساس الحقيقي وراء فكرة بعث الصهيونية. والاهم من هذا وذاك أنه قبل حركة الإصلاح الديني التي قادها «مارتن لوثر» كان كل المسيحيين الغربيين كاثوليكاً، ويتقبلون عموماً الرأي الذي قال به القديس أوغسطين وأتباعه، بأن بعض النصوص المقدسة يجب بأن تفسر مجازياً لا حرفياً. ومثال ذلك: القدس وصهيون سماويتان أخرويتان مفتوحتان لنا جميعاً، (أي للديانات الموحدة الثلاث) وليستا مكاناً حقيقياً هنا على الأرض يجب أن يسكنه اليهود حصراً. وهنا لا بد من التساؤل إذا كان موقف الكاثوليك على هذا النحو من الأراضي المقدسة (فلسطين)، ما الذي دفع اليهود إلى الواجهة؟ للإجابة عن مثل هذه التساؤلات لا بد من العودة إلى مرحلة الحراك السياسي في القرنين السادس والسابع عشر الذين أخذا أبعاداً دينية تمثلت في حركة الإصلاح التي دعت المسيحيين إلى تفسير الكتاب المقدس بأنفسهم. والتي نتج عنها فيما نتج تصعيد مفهوم اسرائيل - واليهود - كعناصر أساسية في النبوءة التوراتية. والواقع أن قلة من العلماء والدارسين تفحصوا السبب المفاجئ لبدء مساندة فكرة هجرة اليهود إلى فلسطين. وهي فكرة لم تزدهر في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي، لكنها ازدهرت بسبب الحماسة الكبيرة التي أبداها مارتن لوثر في بداية حياته لدراسة اللغة العبرية محبذاً للمبادئ اليهودية البسيطة على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي. مما دفع بمعارضيه إلى اتهامه باليهودية. وفي عام 1523 م كتب لوثر يقول «ولد عيسى يهودياً». وقد عبر لوثر في كثير من كتاباته عن تأييده لليهود. كما دان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لهم. ووجه اللوم للبابوية. واتهمها بتحريف المسيحية وبأنها السبب في انصراف اليهود، عن اعتناقها. إلا أنه كان كغيره من المصلحين الدينيين المسيحيين. فيما يتعلق باهتمامه باليهود فكان مبعثه الدور المرسوم لليهود في تحقيق نبوءة التوراة. إذ اعتقد بإمكانه تحقيق «عودة» اليهود على أسس مسيحية. من خلال إتاحة الفرصة أمامهم للاطلاع على العقيدة المسيحية والكتاب المقدس. «وعندها نتوقع منهم أن يأتوا إلينا» كما يقول. الوعد الأول لعل هذا القاعدة الإيمانية عند لوثر قد دفعت أتباعه من البروتستانت كتابة مجلدات نبوئية إنجيلية مطولة أعطت اليهود - الذين يعتبرون تقليدياً أعداء للكنيسة - أهمية لاهوتية مسيحية جديدة. وقد ظهر هذا الأمر جلياً بعد حركة الإصلاح، الذي زاد من اهتمام المسيحيين الأوروبيين باليهود وغيروا من مواقفهم تجاههم بسبب بعض التطورات في القانون الأوروبي - كما يقول البعض - التي أدت إلى المزيد من التسامح. والبعض الآخر من هؤلاء العلماء يشيرون إلى الدور الاقتصادي الذي أخذ اليهود يلعبونه في التجارة الدولية. أي أن هذه الفكرة جاءت على خلفية تبلور البرجوازية التجارية في أوروبا، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. وهذا قد ظهر واضحاً بالنداء الذي وجهه نابليون إلى كل يهود آسيا، وأفريقيا في 20 أبريل 1799، حثهم فيه على السير وراء القيادة الفرنسية حتى يتسنى استعادة العظمة الأصلية «لبيت المقدس»، ووعد بأنه سيعيد اليهود إلى «الأرض المقدسة، إذا ساعدوا قواته». لكن رغم نداء نابليون الرومانسي، فإنه كشف عن مطامعه الاستعمارية ورغبته في إغلاق الطريق المؤدية إلى الهند أمام بريطانيا، ويمكننا اعتبار نداء نابليون الاسترجاعي أول «وعد بلفوري». دون أن نغفل حقائق الامتدادات التاريخية، ففي عام 1860 م كان فيه التدخل الفرنسي في سوريا آخذاً في الازدياد. فقد بيّن أرنست لاهاران، سكرتير نابليون الثالث الخاص، في كتيب بعنوان المسألة الشرقية الجديدة المكاسب الاقتصادية التي ستعود على أوروبا إذا استقر اليهود في فلسطين. وقد أشار «لاهاران» إلى أن الصناعة الأوروبية كانت تبحث عن أسواق جديدة لتكون منفذاً لمنتجاتها. ولذا كان من الضروري عودة الدولة اليهودية القديمة للحياة، كما يزعم. ولم تكن المسألة بالنسبة للاهاران أساساً مسألة هداية اليهود، إنما فتح طرق عامة وأخرى فرعية أمام الحضارة الأوروبية، لذا فهو يرى أن أوروبا ستؤيد استيلاء اليهود على فلسطين واجتزائها من أملاك الدولة التركية. ومن الدلالات والبراهين الدامغة على هذا الكلام أن آراء لاهاران هذه قد سبقت نشر كتاب اليهودي «موسى هس»، (روما القدس)، الذي تضمن مقتطفات طويلة من بحث لاهاران نفسه. وهذا ما عبر عنه أحد أهم القيادات الصهيونية، حاييم وايزمان البولندي الأصل (1864 - 1952) واول رئيس للكيان الصهيوني أن «: بعض كبار القادة العسكريين مثل يوليوس قيصر والاسكندر ونابليون قد أدركوا أهمية فلسطين بالنسبة لخططهم الشرقية، وأنهم لهذا كانوا موالين لليهود في سياستهم الخارجية بشكل ملحوظ». لكن البعض الآخر من العلماء يعتبرون، أن اهتمام حركة النهضة بالدراسات العبرية ولاهوت حركة الإصلاح الديني الذي يؤكد على العهد القديم ركز الانتباه على اليهود لدرجة أن مذاهب يهودية - أو مذاهب متأثرة باليهودية - ظهرت داخل الكنائس الإنجليزية. العملية الاستعمارية وقد وصف بعض هؤلاء العلماء حركة الإصلاح الديني بالنهضة العبرانية أو التهويدية، مع قبول البروتستانت الأوائل لبعض الخصائص مثل التقليد المسياني اليهودي. (انتظار المسيا) والتقليد الألفي (حكم السلام على هذه الأرض لمدة ألف عام). فخلال حركة الإصلاح تقبل المسيحيون البروتستانت الكتاب المقدس كسلطة عليا للإيمان والسلوك معاً. وبدلا من عصمة الكنيسة المتمثلة بشخص البابا في روما، تقبل البروتستانت عصمة الكتاب المقدس الذي ترجم في حينه إلى لغات عامة الناس. ومع ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات القومية، التف البروتستانت الأوائل إلى العهد القديم المعروف بالتوراة اليهودي أو العبري، للاطلاع على تاريخ وقصص وتقاليد وقوانين العبرانيين وأرض فلسطين. وبذلك لا يمكن فهم الظاهرة الصهيونية بالعودة للإيقاعات الوهمية لتاريخ اليهود الوهمي، ولكن بالعودة إلى الديناميات الحقيقية لتاريخ أوروبا وبخاصة في القرن التاسع عشر. وإذا كانت المسألة اليهودية جزءاً لا يتجزأ من العملية الاستعمارية الغربية التي غطت العالم بأسره، وهي العملية التي أدت إلى تفريغ قارتين من سكانهما الأصليين «الأمريكيتين»، واستعباد سكان قارة أخرى «إفريقيا» وتحويل قارة رابعة إلى مصادر للمواد الخام وأسواقاً لبضائع أوروبا الكاسدة في ذلك الوقت «آسيا»، والتي نقلت الملايين من أوروبا إلى كل أنحاء العالم. لكن ليس من السهل إغفال الكثير من الاجتهادات والتحليلات حول نشأة الصهيونية واتساعها لتصبح منظمة ما فوق قومية حيث دخلت النسيج المسيحي اليهودي، على حد سواء، وقد ظهرت هذه المسألة بشكل واضح وجلي في القرن الثامن عشر الذي وجه ضرباته تدريجياً ضد الكنيسة الكاثوليكية لأنها كانت تمثل السند الأيديولوجي للنظام الاجتماعي القديم «الإقطاعي»، التي أرادت البرجوازية النامية تحطيمه وإزالته واستفاد اليهود من كل أوجه هذا التقدم بما أنهم كانوا ميالون إلى ضمان حرياتهم الدينية. ومما لا شك ولا ريب فيه، أن الفكرة الصهيونية تبلورت في حاضنة «الأفكار الاسترجاعية» التي انتشرت في المناخ الحضاري الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، وترعرعت في الأجواء السياسية التي سادت أوروبا خلال القرن التاسع عشر، أي في أجواء نشوء حمى القوميات وخصوصاً بعد سنة 1870م. حيث استطاعت الصهيونية صياغة منطلقاتها الفكرية، وكذلك سبل ووسائل تجسيد مشروعها العملي مستغلة الأزمات الناجمة عن المسألتين اليهودية والرأسمالية. يمكن القول أنه إذا كانت الصهيونية مدينة للرأسمالية في تلك الحقبة من الزمن بتحويلها من مجرد فكرة إلى منظمة إلى ما سمي لاحقاً «دولة اسرائيل»، (فإنها مدينة بوجودها - حتى بوصفها فكرة - للمناخ السائد للأفكار الاسترجاعية التي سادت أوروبا في القرن السادس عشر، كما أسلفنا القول، فقبل ظهور فكرة الشعب اليهودي بالمعنى السياسي وفكرة الدولة اليهودية ككيان يهدف إلى حل المسألة اليهودية، ظهر ضرب من الصهيونية غير اليهودية (صهيونية الاغيار) أو (الصهيونية المسيحية)، وحركة الاسترجاع المسيحية التي كانت تطالب بإعادة اليهود إلى (أرضهم الام)، حتى يتسنى الإسراع في هدايتهم وتحويلهم إلى المسيحية، انطلاقاً من أن عودة اليهود إلى المسيحية وتنصرهم كان ولا يزال يعد شرطاً أساسياً لحلول العصر الألفي السعيد، ألف العام التي سيحكم فيها المسيح المخلص العالم، ويسود فيها السلام والطمأنينة. ـ كاتب فلسطيني