جرى ما جرى في الساعة الثامنة صباحا.. استيقظ الرجل وهو يفرك عينيه ويتمطى.. نظر الى الفراش الراقد عليه فإذا برأس مرعبة يستند على المخدة نفسها التي يضع عليها رأسه.. كان الرأس لوحش مخيف لم ير مثله.. ولم يسمع عنه.. عينا جاموسة وأنف خنزير وأذنا حمار.. وبرز من تحت الغطاء مخلب نسر مكبر مئة مرة.. وذيل كلب. ودهش الرجل.. فقد تمدد في الفراش مساء مع زوجته وشاركها المخدة التي يقتسمانها منذ ثلاثين سنة.. فكيف فتح عينه ليجد في حضنه هذا الوحش الخرافي؟.. لم يكن أمامه فرصة لانتظار الاجابة.. فقد قفز من فراشه.. وصرخ بأعلى صوت فزعا.. فكان أن أيقظ الوحش الذي فوجئ به يسأله: «مالك يا زوجي العزيز؟».. كان الوحش يتكلم بصوت زوجته.. وربما كان صوته أحلى وأرق وأجمل من صوتها. قفز الرجل من الفراش بملابسه الداخلية ليتكور في زاوية الغرفة.. فنهض الوحش ليكشف إنه وحش أنثى.. ثدياها مثل كيسي قماش فارغين.. شعرها مثل مكنسة أرز.. فلم يستطع مواجهتها.. وفر من أمامها.. وفتح غرفة النوم.. لكنه وجد ثلاثة مخلوقات غريبة.. تشبه الأفاعي.. جلودها محرشفة.. آذانها طويلة لها وبر.. ينسدل شعرها مثل خيوط الليف.. وعندما رأى هذه المخلوقات الغريبة الثلاثة خرجت عيناه من محجريهما وصرخ بأعلى ما يمكنه: «الحقوني».. فوجد هذه المخلوقات تناديه بحماس وحيوية: «بابا.. بابا.. مالك».. كان الرجل خائفا مندهشا.. فهذه المخلوقات الغريبة هي مزيج من الأفعى والبغل والانسان وتتكلم بأصوات أولاده تماما.. رمى الرجل بنفسه نحو الباب وصرخ: «أماه».. كان لديه أم في الثمانين من عمرها.. سمع صوتها يأتي من غرفة أخرى: «ماذا حدث يا بني؟».. لكنه عندما فتح الباب ليراها كاد يسقط مغشيا عليه.. كان في الداخل مخلوق بوجه إنسان.. وجذع بقرة.. وليس فيه موضع دون جرح.. قالت له: «ماذا حدث يا بني؟».. فم المخلوق في رقبته.. وأنفه وسط جبينه.. لكن.. صوته هو صوت أمه. هرع الرجل.. ارتدى ملابسه.. وبينما هو على وشك الخروج من شقته أحاطت به كل هذه المخلوقات وهي تسأله: «مالك يا بابا.. هل أنت خائف منا؟».. فصرخ الرجل: «اغربوا عن وجهي».. وبصعوبة رمى نفسه في الشارع.. لكن.. ما هذا؟.. في الشارع مخلوقات غريبة أيضا لم ير مثلها من قبل.. هي ليست إنسانا تماما وليست حيوانا تماما.. رأس ذئب وجسم فيل.. وجه قرد وجذع جمل.. ضفادع لها رؤوس بشر.. وبهلع وضع الرجل يديه على رأسه.. وبدأ الركض في الشوارع.. ركض.. ركض.. حتى كادت أنفاسه تتوقف.. صعد سلالم المصلحة الحكومية ليجد نفس المخلوقات المقرفة تملأها.. دخل غرفة مكتبه مسرعا.. ضغط على زر الجرس مناديا الساعي.. فدخل عليه ديك رومي برأس كلب يسير على قدمي إنسان.. وقال له: «أمرك سيدي».. صرخ الرجل: «سأجن.. سأجن».. فسأله شبيه الديك الرومي الذي انحنى يصب له القهوة: «لماذا يا سيدي؟.. هل ثمة ما يضايقك؟».. إن الصوت معروف جدا لديه.. إنه صوت الساعي.. أغمض عينيه كي لا يرد وقال: «استدعي لي فتحية».. وسمع كلمة «أمرك». فتحية هي موظفة يحبها الرجل بجنون.. فليس هناك من يفوق جمالها.. بعد دقائق فتح الباب ودخلت معزة لها أربعة قوائم كلب.. خلفها ذيل ضخم جدا وطويل.. أطول من أفعى.. عندما رآها وضع يديه على وجهه وصرخ: «من أنت؟».. وسمع الإجابة: «سلامتك يا باشا.. أنا فتحية».. قفز الرجل مذعورا.. وخرج من مكتبه وهو يقول لنفسه: «مش معقول.. مش معقول». جرى الرجل في الشارع وهو يصرخ «الحقوني.. الحقوني».. فإذا بكل المخلوقات الغريبة تجري وراءه تحاول اللحاق به.. يهرب من عقرب فيجد أمامه خنزير بري.. يتفادى أفعى فيلحق به حمار.. واستمرت المطاردة في الشوارع ساعات طويلة.. وفي النهاية وجد الرجل نفسه متعبا منهكا في حفرة وسط زقاق مسدود.. ربطوا يد الرجل وذراعيه ورجليه بقوة بالحبال.. وضربوه على مؤخرته.. وألقوا به في سيارة وأخذوه الى أقدم بناء في المدينة.. كتب عليه «مستشفى الأمراض العقلية».. في غرفة كبير الأطباء كان الرجل يئن قائلا: «انقذوني.. ألا يوجد إنسان.. انقذوني».. دخل مخلوق مخيف.. يلبس ملابس الأطباء وقال: فكوه.. وسأله: «مالك؟».. فحكى الرجل ما جرى له منذ فتح عينيه في الصباح ثم تساءل وهو يئن: «فين الناس؟... فين البشر؟.. أين الإنسان؟.. أنا أبحث عن إنسان واحد.. ولا أجد.. هل انقرضت البشرية وسيطرت حيوانات ما قبل التاريخ على الدنيا؟».. فقال المخلوق الطبيب: «فهمت.. فهمت.. سأعالجك بسرعة».. وصرخ: «هاتوا مرآة كبيرة».. وجاءت المرآة الكبيرة.. ووضعوها أمام وجه الرجل. كان في المرآة خيال مخلوق أكثر قرفا.. وأكثر بشاعة من تلك المخلوقات التي رآها منذ الصباح.. كان وجه إنسان جريح ينزف دما وقيئا.. طالت أسنانه.. اثنان منها وصلا الى أسفل الذقن.. له عينان متورمتان بحجم الفنجان.. وعلى رأسه قرون متشعبة.. جلدة تحرشف.. تضخم.. أصبح مثل خنفساء بلون السمسم الأخضر. صرخ الرجل خوفا أمام هذا الخيال المخيف.. وسقط أرضا.. مغميا عليه.. وبعد أن نام فترة.. فتح عينه وسأل بصوت متعب: «أين أنا؟».. قال المخلوق الطبيب: أنت في مستشفى.. كيف حالك؟.. هل أنت بخير؟.. فقال الرجل: «شكرا يا دكتور.. أنا بخير».. قال الطبيب: «إن ما تراه حولك هو صورة بالكربون من نفسك». كان الى جانب الطبيب مساعدتان جميلتان.. شكرهما الرجل وخرج.. في الطرقات وجد الناس كما كانوا.. اختفت المخلوقات الغريبة تماما.. ذهب الى بيته وقال لزوجته وهو يقبلها في شوق واضح: «كيف حالك يا حبيبتي؟«.. وجاء أولاده ليرفع كل منهم من فوق الأرض وكأنه لا يصدق أن الله وهبه هؤلاء الملائكة.. قالت زوجته: «لقد استغرقت في النوم كثيرا هذا الصباح.. الإفطار جاهز.. نحن ننتظرك».. وسمع صوتا ينبعث من الداخل: «كيف حالك يا بني؟».. أجاب الرجل: «حسنا يا أمي.. بخير.. وأنت؟». بمرارة تقطر سخرية.. أو بسخرية تقطر مرارة يكتب عزيز نسين هذه القصة أو اللقطة أو النكنة «سمها ما شئت» في مجموعته الأخيرة «تري لي لم».. وعزيز نسين هو أكثر كتاب عصرنا موهبة في تحويل الواقع الى دعابة.. لكنها دعابة قاسية سوداء.. فشر البلية ما يضحك.. فنحن نضحك على ما يكتب.. لكننا نكتشف في النهاية إننا نضحك على أنفسنا.. وقد دفع عزيز نسين ثمن كتاباته الموجعة بزيارة كل السجون في بلاده «تركيا» زيارات طويلة.. كانت تمتد أحيانا الى سنوات.. كما أنه دفع الثمن بالتشرد.. والجوع.. وترك الكتابة في كثير من الأحيان.. ليحترف الحلاقة والنجارة وبيع الكتب القديمة.. ربما نجح في تدبير ثمن الفول والخبز والحمص واللبن الرائب الذي يعتقد الأتراك أنه يطيل العمر. وهو من مواليد 20 فبراير عام 1915 في جزيرة قريبة من اسطنبول.. وهو ما فكرنا به هذه الأيام.. وعزيز اسم مستعار.. فاسمه الحقيقي هو محمد نصرت.. لكن عزيز ليس الأسم الوحيد المستعار الذي كتبه به.. وإن كان أشهرها.. فقد استخدم 200 اسم مستعار بسبب مطاردات الأمن السياسي له.. وهي مطاردات في تركيا من النوع الثقيل جدا.. وقد كتبت عنه أكثر من مرة وتمنيت أن نترجم كتاباته.. وتعجبت كيف يترك المصريون كاتبا بكل هذه القدرة على السخرية دون أن يقرأوه بلغتهم.. فهم يعيشون على السخرية.. سواء التي ينتجونها أو يستوردونها.. ثم ان المفتاح معه.. خفة الظل. وقد تذكرت كتابه الأخير «تري لي لم» عندما قرأت ذات صباح عن المواطن الألماني الذي طردوه من بيته بعد أن اشتكى الجيران بأنه يضحك بصوت مرتفع.. ولو كان الطرد عقوبة يمكن احتمالها فكيف يكون الموت عقوبة السخرية؟.. لقد روى عبدالرحمن الجبرتي أن ساري عسكر أو نابليون بونابرت قرر إعدام كل مواطن مصري يلقي بنكتة أو سخرية على جنوده «الفرنسوية».. وكادت المشنقة أن تعانق رقاب البعض لولا تدخل المشايخ لتخفيف العقوبة من الموت الى الضرب المبرح.. فالضحك سلاح يهز العروش القاسية.. ويخلخل أركان السلطة الفاشية.. إن هذا هو بالضبط ما يقوله عزيز نسين في «تري لي لم». على طريقة ألف ليلة وليلة يروي: كان يا ما كان.. في سالف العصر والزمان.. دولة مجهولة.. بعيدة عن الدنيا مهجورة.. شعبها جائع. ضميرها ضائع.. مفكروها ومثقفوها بلهاء أغبياء يتصورون أنفسهم أذكياء.. يثرثرون بالليل والنهار في حالة إبهار واستنفار.. كل همهم علاقة الاستراتيجية بالخيار.. أغنياؤها يكسبون الملايين بلا تعب لكنهم رغم ذلك يشكون الفقر.. وعلاقتهم بالسلطة كالسمن على العسل وإن ادعوا القهر.. رؤوسهم مطأطأة على صدورهم وأبصارهم موجهة الى داخلهم وقلوبهم محجوبة عما يدور حولهم. كانوا يسمون الحاكم «الرأس الأكبر».. لا أحد يخرج عن طاعته.. وقد ازدادت أوامر «الرأس الأكبر» ولم يعد لها نهاية وعجز الناس عن تحملها وفي الوقت نفسه لم يكن ليعرفوا كيف يتصرفون في مثل هذه المواقف.. وفي لحظة تجلي قال أحدهم: «نبحث في تراثنا لنر ما كان يفعله أجدادنا عندما كانت أوامر «الرأس الأكبر» تقسو وتزداد ولنفعل مثلهم.. وبحثوا في تاريخهم فوجدوا أجدادهم كانوا يقطبون حواجبهم ويعبسون عندما تقسوا أوامر «الرأس الأكبر».. ويزيد الضغط بقبضته على الشعب. بداية فرحوا لأنهم استنبطوا من تراثهم درسا مفيدا أمام ضغوط «الرأس الأكبر» التي لا تحتمل ولا تطاق.. قالوا: «ليس أمامنا سوى تقطيب الحاجبين والعبوس».. وقطبوا حواجبهم وعبسوا.. ولكن ذلك لم يخفف ضغوط «الرأس الأكبر» بل على العكس.. استمرت وزادت.. وزاد معها التقطيب والعبوس حتى وصلت حواجبهم الى حد لم تعد فيه تقطيب والى الحد الذي لم يبق في وجوههم موضع خط أو شعرة دون عبوس.. أصبحت دولة المقطبين ووطن العابسين.. ومرت الأيام ونسى الناس في تلك الدولة الضحك والفرح. خرج واحد فيهم قائلا: «لقد أغلقنا على أنفسنا ولا نعرف ما الذي يجري في خارج بلادنا.. لنختر ثلاثة مثقفين من بيننا ولنرسلهم الى ثلاث مناطق مختلفة ليبحثوا لنا كيف يتصرف الناس هناك في مثل ظروفنا وليأتوا ويشيروا علينا ونحن ننفذ».. لاقت الفكرة قبولا واستحسانا.. واختاروا ثلاثة مثقفين وهربوهم سرا ليسافروا الى ثلاثة مناطق مختلفة.. وبعد ثلاث سنوات قضوها في الخارج عادوا وهم محملون بالخبرة.. واجتمع الناس ليسألوهم عن ماذا رأوا.. وماذا استفادوا؟ قال المثقف الأول: لم أجد أحدا مقطب الحاجبين في المكان الذي ذهبت اليه.. الناس هناك يضحكون ويقولون «تري لي لم.. تري لي لم».. ولو أردنا أن نتخلص من الظلم الذي نشعر به علينا أن نكرر «تري لي لم.. تري لي لم».. وقال المثقف الثاني: الناس في المكان الذي ذهبت اليه يقولون: «لي لم تري.. لي لم تري».. وعلينا أن نقول مثلهم حتى تعود الابتسامة لنا.. وكان الثالث جاهزا بالحل: أن يرددوا عبارة «لم تري لي.. لم تري لي». وكان على المثقفين الثلاثة أن يشرحوا معنى ما جاءوا به.. فقال الأول: إن معنى «تري لي لم» هو «نباح الكلب على كل شخص ما عدا صاحبه عندما يكون هذا النباح بدرجة صوت واحد ولحن واحد :تري لي لم».. أما عن «لي لم تري» فقال المثقف الثاني: «إنها تعني وضع الذهب في ميزان ووضع نفس الوزن من البطاطا في الكفة الأخرى ويصبح مؤشر الميزان منحنيا بعضهما أمام بعض باحترام.. إنهم يطلقون على هذه الحالة «لي لم تري».. وقال المثقف الثالث: أما معنى «لم تري لي» فهو عملية التفريق بين العبد وسيده عندما يخلعا ثيابهما في الحمام.. «لم تري لي».. وراح الشعب يردد: «تري لي لم.. لي لم تري.. لم تري لي».. وشعر الناس بالسعادة وعندما سمع «الرأس الأكبر» ذلك قطب حاجبيه وعبس وجهه وسد أذنيه خلف جدران سميكة فما نفع.. لم يقدر على التخلص من تلك الأصوات التي باتت تهز الأرض والسماء.. وكلما ازداد ضحك المواطنين ازداد وجه «الرأس الأكبر» عبوسا.. وكلما انفرجت أساريرهم كلما ازداد وجهه تقطيبا.. وظل على هذه الحالة حتى أصدر أمرا صارما مفاده: يمنع الصراخ بقول تري لي لم.. لي لم تري.. لم تري لي.. ومن سيصرخ بذلك سيسجن مدة عشرة سنوات.. ولكن الشعب الذي تعود على الصراخ والضحك الى حد أنه لم يهتم بهذا القرار.. لكن الناس كانوا يصرخون جميعا في صوت واحد.. فلم يستطع «الرأس الأكبر» تحديد من سيلقي القبض عليه ويسجنه.. فزاد العقوبة: «سيعدم الضاحكون رميا بالرصاص».. لكن هذا التخويف لم يفعل فعله. فكر «الرأس الأكبر» في حيلة ذكية.. استدعى الى القصر المثقف الأول الذي علم الشعب «تري لي لم» وطلب منه اختصار التعريف لأن الشعب لا يحفظ العبارات الطويلة فأصبح «تري لي لم» يقتصر على «نباح الكلب على كل شخص ما عدا صاحبه» وفي المقابل قرر «الرأس الأكبر» تخصيص 100 قطعة ذهبية شهريا له.. واختصر المثقف الثاني تعريف «لي لم تري» الى نصفه وهو «وضع الذهب في كفة ووضع البطاطا في الكفة الأخرى».. وكان حظه من الذهب مثل حظ المثقف الأول.. واختصر المثقف الثالث تعريف «لم تري لي» الى «خلع العبد وسيده ثيابهما في الحمام».. وحصل على الذهب نفسه.. وخفض الناس ضحكاتهم الى النصف.. لكن ظلوا يضحكون.. وزادت سعادة «الرأس الأكبر» الى الضعف.. لكنه لم يكتف بذلك.. فجاء بالمثقفين الثلاثة وطالب بمزيد من التخفيض في تفسير معاني: «تري لي لم» و«لي لم تري» و«لم تري لي» ومنح كل منهم 100 قطعة ذهبية أخرى شهريا.. وانخفضت ضحكات الناس أكثر.. وزادت سعادة «الرأس الأكبر» أكثر.. حتى أصبح الناس لا يعرفون معاني هذه الحروف والكلمات وعاد العبوس والتجهم وتحولت «تري لي لم» و«لي لم تري» و«لم تري لي» الى مصدر ألم بعد أن كانت مصدر فرح.. ورغم ذلك لا يزال المثقفون في تلك الدولة يتحدثون عن دورهم في إسعاد الناس. ـ كاتب مصري