ليس صحيحاً أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير يهدد بنسفها ونسف قيادتها وإبادة شعبها وإعادة احتلال أراضي السلطة، الصحيح أن القضية الفلسطينية بالرغم من كل مظاهر التدمير، الذي تنقله لنا قنوات التلفزة، تمر بمنعطف خطير يشير إلى تفوقها وقوة موقف مفاوضيها إزاء الحكومة الإسرائيلية، ويبقى المهم كيف يقرأ العرب خارطة القضية وفق مستجداتها على الأرض الفلسطينية ومن خلال واقع (الأمن) الإسرائيلي. ما حققته الانتفاضة خلال أكثر من 16 شهراً ليس بسيطاً بكل مقاييس اللعبة السياسية، ولا يجب أن ينظر إلى نتائجها بشكل عابر يهون من خطورتها وتداعياتها على مجمل الأوضاع، ابتداءً من ذهنية شارون وأركان حكومته وأفراد الصهاينة القابعين كالفئران في المستوطنات المحصنة، وانتهاء بصانع القرار العربي والأمريكي والأوروبي معاً. ولندع جانباً كل العناوين المحبطة والتي تعزف على وتر الحرب النفسية حول أعداد الشهداء والمنازل المهدمة، والأرامل والأيتام والحصار، فهذه ضريبة طبيعية جداً لشعب يريد استرجاع أرضه من قبضة قوة متجبرة عاتية يصنف جيشها ضمن أقوى جيوش العالم نظراً للتدفق التسليحي الكمي والنوعي الذي تمده به الولايات المتحدة. اذن فنحن وفي موازاة جيش احتلال عتيد، نضع انتفاضة شعب يحارب بكثير من الأحجار والصدور العارية وبعض من الأسلحة البدائية. ولكن بكثير من الصمود والايمان، وخلال ستة عشر شهراً متواصلة، ووسط ضغوطات سياسية اقليمية وعالمية على القيادة الفلسطينية، وعلى الداخل الشعبي ايضا، هذه الموازاة ليست سهلة ابداً، لكن النظر الى نتائجها بعين الفاحص المدقق يكشف قوة التأثير والتداعيات والخطورة، بحيث يتوجب علينا الابتعاد عن نغمة النواح، والشعور بالشفقة على المناضلين، فهذا آخر ما يحتاجون اليه حقا! ان حكومة شارون لا تندفع باتجاه اعمالها الارهابية ضد المدنيين، وضد السلطة نفسها، الا من منطلق اليأس الكامل، فشارون نفسه كرئيس حكومة يواجه ضغطاً قياسيا من قبل غريمه (نتانياهو) الذي يلوح بورقة الترشح للانتخابات المقبلة، اضافة لعدة مرشحين اقوياء ستدفع بهم احزابهم في مواجهة شارون الذي فشل تماما في تنفيذ وعوده للناخب الاسرائيلي الذي يشكل (الامن) اكبر هواجسه على الاطلاق، فاذا به ومنذ مقدم حكومة شارون يرى بأن هذا الامن هو ابعد ما يمكن ان يتحقق على الارض (الاسرائيلية) التي تصبح على انفجار، وتمسي على عملية استشهادية ومئات الجرحى والقتلى وخسائر لا تحصى! في وسط ذلك هناك خسائر على المستوى القومي (الاسرائيلي) فالسياحة متوقفة، والجيش يواجه حالة تمرد من قبل افراده الذين يرفضون الخدمة في مناطق الضفة، والشارع الاسرائيلي محبط نتيجة الخسائر، والهجرة المضادة من اسرائيل بدأت تتزايد، وخطوط (العال) الاسرائيلية تشهد تدهوراً في خطوط رحلاتها الى (اسرائيل)، وحتى السياحة الدينية اليهودية تعاني من تدهور شديد، اضافة لقطاع الاقتصاد والبطالة والعمالة وارتفاع معدلات الانفاق على خدمات الامن والحراسة ومظاهر لا تحصى من الانهيار الكبير في قلب (اسرائيل)، الامر الذي يدفع شارون واركان حكومته ومطبخه السياسي الى الاندفاع المجنون باتجاه المزيد من العنف كرد فعل يبرر به موقفه تجاه شعبه، في الوقت الذي يجد فيه تعاطفا من الادارة الأمريكية المؤيدة له انطلاقا من حملتها العالمية ضد ما تسميه بالارهاب. اذن، فالقضية الفلسطينية اليوم بحاجة لمبادرات قوية يتخذها الجانب العربي باتجاه واشنطن واوروبا، للضغط على الجانب الاسرائيلي وللعودة به مرغما الى طاولة المفاوضات، نحن بحاجة لمبادرة عربية تحشد لها صناعة القرار العربي الكثير من الامكانيات القوية وتطرحها بنيّة الوصول الى نتيجة مرضية للطرف الفلسطيني لانه صاحب الفضل في توازن القوة في الداخل وترضي العرب جميعاً ايضا، لكن دون حاجة لمزيد من حمل القضية على طريقة الطفل المشوه او المريض الذي تحمله أمه لتتسول به امام المارة وفي الطرقات، فالقضية ليست طفلاً مشوهاً أو مريضاً ابداً. عائشة إبراهيم سلطان