حكومة انتقالية لا تتعدى دائرة سلطانها العاصمة.. وأمراء حرب في الشمال والغرب والجنوب يتحدون الشرعية.. وعصابات تفرض سيطرة على الطرق البرية. هذه هي نتائج التدخل العسكري الامريكي في افغانستان. اجل.. كانت طالبان تحكم بالحديد والنار.. كانت سلطة قمعية متشددة تغالي في تفسير أحكام الشرع الاسلامي وتطبيقها. لكنها على الاقل كانت حكومة مركزية تفرض هيبة الحكم على كافة انحاء البلاد تقريبا فانكمشت معدلات الجريمة بأنواعها وانزوت عصابات الاجرام المنظم. وجاءت الحرب الامريكية تحت شعار الاطاحة بنظام طالبان وتدمير تنظيم «القاعدة» دون خطة سياسية لمستقبل الحكم في افغانستان.. فكانت الفوضى الشاملة. على عجل، بعد اندحار طالبان، جرى تشكيل حكومة انتقالية من العناصر المتنافرة في تحالف فصائل الشمال التي لا يحمل اي منها اجندة او برنامجا لاعادة البناء. فقادة كل فصيل كانوا يتعطشون لاستعادة النفوذ السلطوي بدوافع عرقية بحتة. لقد عادت صورة الانقسام العرقي السابقة على عهد طالبان.. فانفرد عبدالرشيد دوستم بحكم مزار الشريف في الشمال نيابة عن قومية الاوزبك بينما انفرد غريمه اسماعيل خان بحكم هيرات في الغرب نيابة عن قومية الطاجيك في تحالف مع قومية الهزارا (الشيعة). وفي الجنوب استولى الزعيم البشتوني جول أغا على العاصمة الاقليمية قندهار بينما لا يزال آخرون من امراء الحرب البشتون يقتتلون على حكم مدن الجنوب الاخرى. في هذه البيئة كان من المحتم ان يفرز غياب السلطة المركزية القوية انتعاشا للجريمة. فعلى خلفية انتشار الجرائم الفردية من نهب وقتل انبعثت من جديد عصابات الاجرام المنظم تفرض الاتاوات على المسافرين والشاحنات التجارية في الطرق البرية. وبعد.. هذه حصيلة حرب «مكافحة الارهاب» التي تبنتها الولايات المتحدة. ومن سخرية القدر ان الهدف الاساسي المعلن للحرب لم يتحقق. فالعناصر القيادية على المستوى الاعلى لكل من حركة طالبان وتنظيم «القاعدة» لا تزال طليقة بمن في ذلك الملا محمد عمر وأسامة بن لادن. وماذا عن المستقبل؟ ان افغانستان بصورتها الراهنة اقرب الى اشرس حرب اهلية من اي وقت مضى بسبب الاستقطاب الحاد الناتج عن تدخل القوى الخارجية المصطرعة. فالأوزبك في الشمال تسندهم روسيا. والطاجيك في الجنوب تقف وراءهم ايران. والبشتون في الجنوب، على تشتت زعاماتهم القبلية وتناحرها، يراهنون على الوجود العسكري الامريكي. وما لا نراه الآن، ولكن نحسه، هو ان كل قوى من هذه القوى الخارجية منهمكة في تسليح القومية العرقية الداخلية التابعة لها استعدادا للتسابق للمزيد من النفوذ على الأراضي الافغانية.