قليل من المثقفين ذوي الاهتمامات المتعددة استطاعوا الهروب من الدور الضيق للمثقف في الحياة العملية إلى مساحات أوسع وارحب في الحياة، وتركت أعمالهم تأثيرات ظلت ممتدة إلى ما بعد رحيلهم بعقود عديدة، وربما تمتد لتصل إلى قرون، خاصة إذا كانت تجربتهم الثقافية تمتد إلى جميع مجالات الثقافة من أدب ونقد وفلسفة، وتهرب إلى الواقع لتشارك في صنع مستقبل الأمة السياسي من منطلق الإيمان بالوطن دون طموح لمنصب زائل على الرغم من مخاطر هذا العمل في وقت عصيب من التاريخ، وهو وقت التحولات الكبرى التي تعيشها الأمم الكبرى من وقت لآخر. ربما كان الفيلسوف والكاتب الإسباني «خوسيه اورتيجا أي جاسيت» التجسيد الحي لهؤلاء المثقفين الذين يمكن للمطلع على أعمالهم أن يقف إعجابا به وبأعماله، وأيضا بدوره في الحياة الثقافية والسياسية لبلاده خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، والأولى من القرن العشرين التي شهدت أخطر تحولات إسبانيا السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية: بدأت بحرب كوبا مع نهايات القرن التاسع عشر، وكانت نهاية لزمن الإمبراطورية الذهبي، وانتهت بحرب أهلية مدمرة (19361939) أتت على الأخضر قبل اليابس، لتعقبها دكتاتورية عسكرية منتصرة همها الأول القضاء على بقايا العدو المتوهم قبل بناء الوطن المخرب. امتداد طبيعي لم يقف هذا الفيلسوف موقف المتفلسف من الحياة يلقي بنظرياته وعظاته مطالبا الآخرين بالعمل من حوله :كناشرين لأفكاره ومطبقين لنظرياته، أو حتى كمريدين يمجدون ما ينطق من كلام، بل كان هو نفسه الكاتب المفكر والناشر والمطبق للأفكار التي يستخلصها من تجاربه النظرية العلمية والعملية، وأيضا كان صانع اتباعه ومريديه بالتربية والصحبة. كانت مجلته «الغرب Occedinte» حامل شعلة أفكاره وباب مؤيديه ومعارضيه إلى نور الجماهير والمتابعين والمريدين، وتحولت معه المجلة وعلى يديه من مجرد مجلة «فكر نظري» إلى مؤسسة فكرية متكاملة ومتفاعلة مع الحياة، بل وكانت أسرته جزءا من تلك المرحلة، لذلك لم يقتصر «ارث» اورتيجا أي جاسيت على أفكاره وكتبه ليمتد إلى «أبنائه» من لحمه ودمه، وتحول مشروعه الفكري إلى مشروعهم الفكري. رحل الفيلسوف الإسباني اورتيجا أي جاسيت تاركا امتداد عمله وأفكاره في ابنه الذي يحمل اسمه أيضا «خوسيه اورتيجا» الذي كان نتاجا طبيعيا لأفكار أبيه كما كان نتاجا طبيعيا لجيناته الوراثية التي انحدرت إليه عن طريق الدم، لذلك لم تكن نهاية الأب اورتيجا أي جاسيت الجسدية مع رحيله عن العالم، بل امتد وجوده في الحياة والأدب والفلسفة في ابنه الذي حمل شعلة الأفكار نفسها، وسار على الدرب نفسه، وتحمل في سبيل السير على هذا الطريق كل وخز الأشواك التي كانت تدمي قدمي أبيه، ولكنه أيضا كان في حماية ظله الذي امتد طويلا بفضل مشوار الأب الحياتي. قام الابن خوسيه اورتيجا بمتابعة المشروع الفكري لأبيه بالطريقة نفسها، وكأنه امتداد طبيعي بلا انقطاع، على الرغم من عدم امتلاكه البريق الفلسفي الذي كان يتمتع به أبوه، فقد كان أميل إلى الصحافة منه إلى الكتابة الأدبية الراسخة التي مارسها أيضا بشئ من النجاح، ونظرا لصعوبة اللحظة التي امسك فيها الابن بدفة مشروع أبيه في أعقاب الحرب الأهلية التي عاشتها بلاده فقد سار في اتجاهات ملتوية ليتفادى السقوط في جب النظام الدكتاتوري القائم، فكانت المجلة الأساس في هذا المشروع، ولكن مع مرور الوقت بدأ هذا المشروع الفكري يتشعب، أو لنقل يفرخ أفرعا أخرى تقويه وتمنحه من وجودها ركائز أخرى يرتكز عليها دون أن يتحقق حلمه في العمل في صناعة الرأي العام من خلال عمل إعلامي حر ومتوازن. تثقيف الجماهير كان مشروع دار نشر «اليانثا» الناجح خطوة في طريقه العملي من أجل المشاركة في تثقيف الجماهير بطريق غير مباشر دون أن يتعرض لعصبية نظام الجنرال فرانكو الذي كان يجد في كل عمل عام خطرا يتهدده. بدأت دار النشر الجديدة في نشر الكتب قليلة الحظ مع النظام، وأيضا في الكتب التي يعيش كتابها خارج إطار هذا النظام، ولكن ليغلف عمله بشيء من السحاب الذي قد يوفر له حماية تبعده عن أعين الجنرالات أصدر سلسلة «كتاب الجيب» التي كانت أحد تلك الأفرع التي نمت بسرعة في هذا المشروع. من خلال مشروع كتاب الجيب تمكن الشباب الإسباني خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وفي أوج إحكام قبضة النظام الدكتاتوري من الاطلاع على الآداب والفكر العالمي عبر تلك السلسلة من خلال ترجمات راقية وبأسعار شبه رمزية، وكان شعاره وقتها «الليبرالية» التي تتيح لجميع التيارات للتعبير عن أفكارها، لأن اللحظة التي كانت تعيشها إسبانيا كانت في حاجة إلى أي فكر جديد مهما كان اتجاهه مادام لا يصب في إطار النظام الدكتاتوري القائم. لكن ظلت فكرة التعامل مباشرة مع الجماهير عبر وسيلة إعلامية واسعة الانتشار تتحدث بحرية لا هدف لها سوى خدمة الوطن حلما يراود «ابن الفيلسوف»، ولأنه كان مؤمنا بأنه سيأتي اليوم الذي يحقق فيه هذا الحلم فقد كان يقضي أوقات الفراغ التي يسمح له به العمل في المجلة الفكرية التي ورثها عن أبيه في التخطيط لتحقيق ذلك الحلم، إلى أن جاءت اللحظة برحيل الجنرال فرانكو عام 1975، وجلوس الأمير خوان كارلوس كأول ملك للبلاد بعد السنوات الأربعين الدكتاتورية التي أعقبت سقوط الجمهورية الثانية والحرب الأهلية الدامية. بدأت مظاهر العمل الديمقراطي تطفو على السطح منذ بداية جلوس الملك خوان كارلوس على عرش البلاد، والقوانين التي أصدرها لإعادة الحكم إلى الجماهير بعد أن كانت تلك الجماهير محرومة من التعبير عن رأيها خلال حكم الجنرال، لذلك لم يمض عام على البداية الديمقراطية حتى ظهرت إلى الوجود صحيفة «الباييس» أي «الوطن»، لتكون الحجر الأساس في مشروح خوسيه اورتيجا لبناء مؤسسة إعلامية كبيرة تعمل على التواصل مع جماهير الوطن والتعبير عن طموحاتها. على الرغم من عدم اتضاح الرؤية تماما حتى تلك اللحظة إلا ان المشروع وجد مستثمرين جازفوا بأموالهم لاستثمارها فيه، وكل ضمان لتلك الأموال يتمثل في شخصية «خوسيه أورتيجا» ومشواره التاريخي في النشر والطباعة والتوزيع، ويضاف إلى هذا أيضا ارث والده الفكري الذي لا يزال يشكل دعامة أساسية لدى كل العاملين في الحقل الثقافي والسياسي في إسبانيا. كان شعار تلك المؤسسة الصحافية الجديدة منذ اللحظات الأولى: «الليبرالية»، ليس بمعناها الذي يبدو لأول وهلة، أو التعبير عن فئة أو شريحة معينة، بل كانت الليبرالية بمعنى التعبير الحر لكل الآراء، مادامت تلك الآراء تحترم الرأي الآخر، لذلك كانت صحيفة «الباييس» خلال السنوات الأولى عبارة عن منبر للتعبير عن كل الآراء التي كانت محرومة في السابق من التعبير عن نفسها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين البعيد عن النظام السابق والذي لم يجد في صحف النظام مكانا ليعبر عن آرائه، ويعتبر الكثير من الباحثين أن دورها خلال تلك السنوات كان بمثابة «الحضانة» التي خرجت منها الديمقراطية الإسبانية. صناعة رأي عام وطني قبل إقرار الدستور الديمقراطي قام الملك خوان كارلوس الأول بفتح الطريق أمام مجلس شيوخ جديد يشارك في الحوار القائم في أسبانيا حول إمكانية وضع دستور ديمقراطي يعبر عن جميع الاتجاهات، وضم الملك إلى هذا المجلس العديد من الشخصيات العامة التي لها وزنها المعبر، ومن بين تلك الشخصيات كان «خوسية أورتيجا» ابن الفيلسوف ورئيس مجلس إدارة أول صحيفة مستقلة خاصة تصدر في إسبانيا بعد رحيل الدكتاتور. شارك خوسيه اورتيجا في صنع رأي عام وطني من خلال عضويته النشطة في مجلس الشيوخ، وأيضا من خلال مساحة صفحات الرأي التي تضمها صحيفة «الباييس» التي كان يتولى ادارتها. بعد إقرار دستور عام 1978 عاد خوسيه اورتيجا إلى مكانه في صحيفته ليدفعها نحو مزيد من المشاركة الشعبية المستقلة، إلى أن وصل بها إلى أن تكون الصحيفة الأولى في أسبانيا ، كثر الصحف وأوسعها انتشارا، إضافة إلى تطوير هذا المشروع الإعلامي لإصدار العديد من المطبوعات الإعلامية الأخرى المتخصصة في مجالات النشاط العام من اقتصاد وسياسة واجتماع ورأي، إضافة إلى ضم عدد من مشروعات النشر إلى المؤسسة على الرغم من بقاء دار نشر «اليانثا» خارج هذا المشروع حتى تستمر في عملها المناط بها منذ البداية، وأبرز أنشطتها سلسلة «كتاب الجيب» التي لا تزال تعتبر من أبرز الإصدارات في العالم الناطق باللغة الإسبانية. كان في منصبه كرئيس لأكبر مؤسسة صحافية في إسبانيا مثالا للتواضع، وكان ينتهز الفرص التي تتاح له ليلتقي بالأجيال الشابة الجديدة العاملة في مجال الإعلام من خارج مؤسسته، لذلك كان إصدار أي كتاب جديد عن أي من دور النشر التي يشرف عليها: أليانثا وأجيلار وسانتيانا والفاجوارا، فرصة للقاء إعلاميين من خارج مؤسسته، ونظرا لارتباطي أنا شخصيا بإصدارات تلك الدور التي قدمت العديد من عروضها في ملحق «بيان الكتب»، فقد التقيت بهذا الرجل مرات عديدة، وكانت حواراتي معه لطيفة جدا خاصة انه كان، في البداية، مندهشا من اهتمام إعلام وقراء لغة غريبة مثل اللغة العربية بما يجري في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، وما يصدر عن دور نشرها من مطبوعات، ولكن مع مرور الوقت واستمرار العلاقة مع مؤسساته ورؤيته للعديد من المقالات والعروض للكتب الإسبانية منشورة باللغة العربية في «البيان» أو «بيان الكتب» أصبح الأمر عاديا، بل كان كثيرا ما يتساءل عن آخر اهتمامات الإعلام العربي، أو آخر الإصدارات الإسبانية المترجمة من اللغة العربية، خاصة بعد أن بدأت دور النشر الإسبانية تهتم بالأدب العربي بعد فوز «نجيب محفوظ» بجائزة نوبل للآداب. مسيرة عائلة اورتيجا إيمانا منه بتتابع الأجيال، ودور كل منها حسب ما تتيحه ظروف تلك الأجيال المحيطة بها، قرر خوسيه اورتيجا الانسحاب من العمل في مؤسسته الصحفية التي كونها وكان وراء نجاحها مكتفيا بدور شرفي. لكن الهدف من الانسحاب من العمل لم يكن نتيجة «تعب» أو «هروب»، أو حتى المرض الذي بدأ يهاجم جسده الواهن خلال السنوات العشر الأخيرة، بل كان تحت دافع آخر، وهو تنفيذ مشروع جديد كان حلما قديما يراوده أيضا، فقد عاد خوسيه اورتيجا إلى دور «الكاتب» ليخط مسيرة «عائلة أورتيجا»، بداية من الخطوات الأولى لوالده الفيلسوف الراحل «خوسيه اورتيجا أي جاسيت»، ورحلته مع الأدب والفلسفة، لتكون تلك الرحلة ودروسها المستفادة بين أيدي أكبر عدد من القراء. ما أن أكمل خوسيه اورتيجا كتابة مسيرة عائلته، «عائلة اورتيجا»، وبدأ الإعلان عن قرب صدورها مطبوعة في كتاب حتى وهن الجسد تحت وطأة السن والمرض، ليغادر عالمنا الاثنين الماضي عن عمر يناهز الخامسة والثمانين، تاركا إرثا ضخما من العمل الثقافي والإعلامي يضاف إلى ارث والده الفيلسوف «خوسيه اورتيجا أي جاسيت». ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا