العبارة التي باتت ترددها باستمرار ألسنة الامريكيين أنفسهم ان الرئيس جورج بوش وادارته من الجمهوريين أصبحوا يستغلون الحرب ضد الارهاب لمصالحهم الانتخابية، ورغم ان هؤلاء لا يؤكدون رفضهم الصريح لآراء بوش وافكاره، حول التشدد الكبير في القضايا الخارجية الا ان الواقع يشير بشكل مبدئي ان بوش يحاول ان ينتهز جميع الفرص كي يدخل حزبه الجمهوري الى الانتخابات الجزئية للكونجرس ومجلس الشيوخ المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، وعلى أية حال فإن الحلقة الأكثر تشددا في البيت الأبيض تدور حول حدود الوطن العربي وقلبه الذي صار يشغل الحيز الأكبر في قرارات البيت الابيض خاصة بعد المفهوم الخاص لكسب المعركة في افغانستان التي لم تستمر طويلا كما توقعتها الادارة الامريكية فذهبت تبحث مباشرة عن بديل سريع يضمن وجود بوش على الساحة الامريكية التي من الممكن ان تنسى اسم رئيسها ببساطة خاصة اذا لم يفعل شيئا ذا شأن في حياة مواطنيها. لماذا العرب؟ انطلق الرئيس الامريكي جورج بوش في تصريحاته النارية التي مازالت تشغل المواطن الأمريكي وهذه التصريحات ركزت على الارهاب بشكل كبير في حين تناست الكثير من القضايا الداخلية التي تصب مباشرة في صالح الشارع الامريكي، ومن انطلاقته لتحديد محور جديد أسماه بـ «محور الشر» يذكرنا بشكل مباشر بمحور الحرب العالمية الثانية مع ان المحاور الآن بدت الأكثر وضوحا فهي تخص المنطقة العربية أكثر من غيرها وإن كانت كوريا الشمالية مثلا وهي المدرجة في محور الشر بعيدة نسبيا عنا مما يعني ان السياسة الامريكية الجديدة ركزت على الوطن العربي أكثر من غيره وتدخلت بشكل واضح في الصراع العربي الصهيوني وهي التي بدت بعيدة عنه قولا عندما تسلم بوش منصبه الرئاسي قبل حوالي العام رغم ان الانتفاضة الفلسطينية كانت في ذلك الوقت في أوج لهيبها، أما الآن فقد تابعت ادارة بوش التصريحات التي تتهم العرب بالارهاب ووضعت القوائم من قبل البيت الابيض متهمة التنظيمات الفلسطينية كحركتي حماس والجهاد بالارهاب، وكذلك حزب الله اللبناني، ولنلاحظ هنا ان الاحزاب الثلاثة هي أحزاب مرتبطة في بنيتها الايديولوجية بالدين الاسلامي وعمليا هي أحزاب مقاومة للاحتلال الصهيوني وهذا التوصيف يأتي على الرغم من ان الولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة ان حربها ليست موجهة ضد الاسلام، واذا أردنا ان نقرأ الجانب الآخر من اتهامات بوش وأقصد حربه التي بدأ يخططها ضد العراق فإنها ستصب نارها ضد الشعب العراقي الذي لايزال يعاني الحصار والارهاب الامريكي مما يعني ان العرب والمسلمين هم المقصد الأول في سياسة بوش التي يديرها بالحجة المحرجة وغير المقنعة. ومن الواضح الآن ان الرئيس الأمريكي يرسم سياسته المقبلة للدخول مباشرة إلى قلب الوطن العربي من خلال الحدثين الرئيسيين العراق وفلسطين ولكن وقبل قراءة أي منها فإن العرب جميعهم هم المقصودون بهذا التدخل والكيان الصهيوني هو المستفيد الأول من هذه السياسة وعلى جميع مستوياتها المرحلية والمستقبلية، فالضوء الأخضر الذي أعطاه بوش لشارون كان بديهياً على حساب العرب جميعهم قبل ان يكون على حساب الفلسطينيين ويبدو ان هذا الضوء حدد بثلاثة ألوان أولها عدم الضغط على اسرائيل بل تشجيعها لمتابعة مجازرها بحق الشعب الفلسطيني وثانيها رفض أي تدخل ومن أية دولة بقضية الصراع الرئيسي لتبقى الولايات المتحدة متفردة في الملف الضاغط على العرب وثالثها التدخل بقرارات الأمم المتحدة سواء بالفيتو أو غيره لمنع أي قرار دولي يمس الجانب الاسرائيلي مما يمنع تعيين قوة مراقبة دولية بين الكيان الصهيوني والأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وكل ذلك كان هدفه واضحاً وهو ارضاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الذي من الواضح ان بوش يخشاه بشكل كبير. وفي توصيف هذا الارضاء غير المبرر إلا بشكل نسبي يتعلق بالتصويت لبوش لفترة رئاسية ثانية ولكنها بعيدة جداً يبدو ان هذا الخوف صار واقعاً رغم ان اللوبي الصهيوني لم يصوت لبوش في الانتخابات الماضية ولكن المشهد الآن يمسرح على أكثر من مستوى حيث ظهر مشكلاً وضوحاً أكثر من ذي قبل خاصة زيارات أعضاء الحكومة الاسرائيلية الاخيرة للولايات المتحدة والتصريحات المشتركة للطرفين ولعل الأكثر غرابة ما جاء على لسان بنيامين بن اليعازر وزير الحرب الصهيوني في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الذي قال فيه انه فوجئ بموقف نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني من عرفات ووصف هذا الموقف بأنه أكثر تطرفاً من موقف وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي الذي كان يدعو إلى تهجير جميع الفلسطينين من أراضيهم والذي كانت نهايته على أيديهم، وسواء قال تشيني: «من ناحيتي تستطيعون ان تشنقوا عرفات» أم لم يقل وسواء كذب اليعازر أم صدق فإن هذا التصريح يعكس بشكل مباشر الرؤية الأمريكية ليس من ياسر عرفات بل الموقف الأعمى المؤيد لاسرائيل. وفي هذا المجال فإن الرئيس الأمريكي قد اكتفى بالضوء الأخضر الذي أعطاه لشارون بممارسة الضغط على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لكي يقدم لاسرائيل التنازلات غير المحدودة التي تطالبه بها مما يعني تنفيذ مخطط شارون الذي يطمح إليه والذي يرتكز على اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنزوعة الهوية والشخصية وعلى المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية والتي تدعى بالمنطقة «أ» حسب تعريف أوسلو لها، وهذا المخطط يعتبر الأخطر على القضية الفلسطينية منذ النكبة كونه سيجعل من المنطقة «أ» الصغيرة جداً والمقطعة إلى أوصال منطقة تابعة بكل المعاني الى الكيان الصهيوني اضافة إلى تجاهل القضايا الكبيرة كالقدس وعودة اللاجئين وهي القضايا الرئيسية التي أفشلت كامب ديفيد الثانية، وبتلك المواقف التي تتبعها الادارة الامريكية يبدو انها تتغلب على تطرف شارون ذاته الذي يمارس بشكل يومي ارهاب الدولة المنظم ضد الفلسطينيين ليس فقط بالضوء الامريكي بل بالاسلحة الامريكية الحديثة التي تضخها الى الكيان الصهيوني خدمة له وخدمة من بوش بشكل خاص الى اصحاب معامل الاسلحة الذي يمارسون الضغط من الطرف الاخر عليه لكي يجرب اسلحتهم في مختلف الظروف القتالية وخاصة في الشرق الاوسط ضد الفلسطينيين والعراق او ضد ايران او غيرها وبذلك يضمنون بيعها للبنتاجون وتجريبها عملياً ضد اعداء اسرائيل في معادلة مشتركة قوامها اللوبي الصهيوني الذي مازال يكره بوش رغم كل ما يقدمه لهم من خدمات. ديك تشيني والقمة! في عجلة الاحداث المتلاحقة التي تعرضها فرقة بوش على خشبة الشرق الاوسط فإن السيناريو الاكثر كوميدية وتراجيدية في هذا الفصل هو الزيارة المرتقبة لنائب الرئيس الامريكي «ديك تشيني» الى الشرق الاوسط، فموعد الزيارة قبل القمة العربية الدورية الثانية مباشرة وفي وقت ضيق أواسط الشهر المقبل وسوف يزور في هذه الجولة 11 دولة بحيث لن يترك للعرب اية فرصة للتشاور بعد زيارته بل لعل القمة العادية التي بدأ التخطيط لها منذ اللحظة الاولى لانتهاء قمة عمان ستناقش زيارة تشيني على حساب ملفاتها المعروفة. واذا كان تشيني لا ينوي التحدث مع العرب عن ضرب العراق كما يشيع فهل سيتحدث عن القضية الفلسطينية.. الواقع ان التصريحات الاسرائيلية في هذا المجال هي الحكم بالنسبة للادارة الامريكية والتي على ما يبدو انها عينت اسرائيل كناطق رسمي لها فاليعازر يقول ان جولة تشيني لن تشمل مناطق الحكم الذاتي و«زلمان شوفال» احد مستشاري رئيس الوزراء الاسرائيلي يقول عن جولة تشيني: «سافاجأ اذا وسع تشيني جولته لتشمل مناطق الحكم الفلسطيني.. فالولايات المتحدة منخرطة في حربها ضد الارهاب وعرفات يقف الى جانب الارهاب»، ولعل تصريحات الجانب الاسرائيلي اصبحت بمقياس الادارة الامريكية بمثابة الاوامر وهذا ما دفع «ماري ماتالين» وهي احد كبار مساعدي تشيني للقول: «انه (تشيني) لا ينوي زيارة المناطق الفلسطينية للاجتماع مع عرفات.. فهذه ليست جولة في اطار عملية السلام»، مما يدفعنا للتساؤل عن هدف هذه الزيارة ما دامت ليست لعملية السلام التي ينتظر العرب من واشنطن ان تعود الى اخذ دورها الراعي لها، وبالمقابل هل هي جولة من اجل تمرير الحرب الامريكية ضد العراق وهي المسألة الحساسة التي باتت جميع القمم والمؤتمرات العربية تعاملها بشيء من الحذر وبكثير من الخوف من واشنطن وليس غيرها!! ان جولة تشيني في هذا الوقت بالذات يجب ان تكون فائدتها عظيمة للعرب بدل ان تكون وبالاً عليهم فالمشكلتان الرئيسيتان (الفلسطينية والعراقية) مرهونتان بالموقف العربي اكثر من الموقف الامريكي وهذه النقطة بالذات يجب ان يأخذها العرب الى مؤتمر القمة بدلاً من انعقاده والخروج بقرارات لن تختلف كثيراً عن قرارات قمة عمان او غيرها من القمم العادية او الاستثنائية ومستقبلاً الدورية، ومن هذا المنطلق فإن ملفات القمة العربية المقبلة في بيروت ستحمل بالتأكيد القضية الفلسطينية والعراقية معا وفي هاتين المسألتين هناك خلاف واضح بين العرب والولايات المتحدة وبشكل كبير وهذا ما عبر عنه بطريقة ما معظم القادة العرب وبطريقة واضحة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أكد ان العرب يرفضون أي اعتداء امريكي ضد العراق كما يرفضون سياسة واشنطن فيما يتعلق بموقفها من القضية الفلسطينية، وبذلك فان زيارة تشيني قبل القمة المرتقبة يمكن ان تكون لمصلحة العرب مع شدة الظروف الحالية ومع الاستغلال الصحيح للموقف الاوروبي الواضح في معارضته للسياسة الامريكية سواء تجاه «محور الشر» او تجاه قائمة الارهاب او القضية الفلسطينية وهذا الموقف بالتأكيد يقلق واشنطن ويشعرها بخطر حقيقي على مصالحلها في الشرق الاوسط اذا ما اراد العرب ذلك لأن الواقع يقول ان مصلحة الولايات المتحدة مع العرب وليس مع اسرائيل كما هو حال تصرفها الآن ولنأخذ مثالا بسيطا ففي اخر تقرير للخدمات البحثية للكونجرس الامريكي فيما يتعلق ببيع الاسلحة التقليدية للعالم جاء فيه ان الولايات المتحدة باعت اسلحة تقليدية للشرق الاوسط بين عام 1997 وعام 2000 ما قيمته 26.4 مليار دولار وشكل حوالي 62% من مجموع كل صادراتها من الاسلحة التقليدية للعام الثالث واذا كان هذا الرقم ليس مجالا للفخر عند العرب فانه بلا شك يقدم خدمة للولايات المتحدة وبالطبع هذا جزء يسير من المصالح الاقتصادية لواشنطن في الوطن العربي ليس النفط اولها. ان الارادة العربية الموحدة هي القادرة فقط على تغيير السياسة الامريكية في العالم العربي وبدونها لن يكون بوش الا المنفذ لقراراته التي باتت تعربد في مفهوم الارهاب تلك المسرحية التي اصبحت واضحة للعرب مع انهم يخشون من نتائجها ويخشون من ان يوضعوا في لائحة الشر الامريكي الذي يقوده بوش حسب مفاهيمه الجديدة التراجيدية في حقيقتها وكما قيل فان ما يخشاه العالم بشكل عام والعرب خاصة ان يتحول اليوم التأريخ من الميلادي الى الحد الفاصل والحاسم برأى الادارة الامريكية وهو الحادي عشر من سبتمبر ولم نعد نستغرب ان يملي علينا الرئيس الامريكي جورج بوش اخر «تقليعاته» التي تقول ان التاريخ سيبدأ من احداث الحادي عشر من سبتمبر بدلا من كل التواريخ التي يعتمدها العالم؟! ولعل سبب كل ذلك ان الادارة الامريكية تشعر بنشوة النصر على النموذج الافغاني وكأن افغانستان هي الدولة الاكثر قوة في العالم بعد الولايات المتحدة التي صار عنوانها الحالي مرتبطا بموضة الارهاب. ـ كاتب فلسطيني