بعد الهيمنة على القرار العسكري الامريكي والسيطرة على العمل الدبلوماسي يمتد نفوذ جنرالات البنتاجون الآن الى العمل الاعلامي. وهكذا يكتمل تحول الولايات المتحدة الى دكتاتورية عسكرية باسم المحافظة على الديمقراطية. «مكتب التأثير الاستراتيجي» في واشنطن التابع لوزارة الدفاع الامريكية احد «ثمار» مرحلة ما بعد احداث سبتمبر. وهو جهاز اعلامي انشئ بغرض استقطاب الرأي العام العالمي للمفهوم الامريكي لمكافحة الارهاب على صعيد دولي. وفي احدث الاخبار يروى ان رجال الجهاز اقترحوا على وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ان يتخصص الجهاز في التضليل الاعلامي! ورغم انه لا يمكن القول ان هذا الجهاز الفريد بريء بحالته الراهنة من بث التضليل الا من شأن التوجه الجديد ان يجعل من التضليل نهجا رسميا وسياسة ثابتة لنشاطه. هذا ليس استنتاجا او تكهنا. فقد وردت الرواية الاخبارية في صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الاسبوع نقلا عن مسئولين في البنتاجون. ووفقا لهؤلاء المسئولين فان الخط الاعلامي العام لمكتب التأثير الاستراتيجي سوف يقوم على محاربة الارهاب على النطاق العالمي عن طريق «نشر معلومات خاطئة في وسائل الاعلام الاجنبية». وحيل الدعاية التضليلية الاعلامية معروفة لدى دارسي علم الاتصال الجماهيري والمحترفين في المجالات الاعلامية المختلفة ـ من اختلاق تصريحات تنسب الى «مصادر مطلعة» وتسريبات ايحائية الى عقد مقابلات وندوات ذات خط مقرر سلفا الخ ـ لكن الملفت في تصريحات المسئولين في «مكتب التأثير الاستراتيجي» الامريكي هو ان المكتب سوف يمارس نشاطه التضليلي في وسائل اعلام اجنبية. وبما ان منطلق الرسالة التضليلية للمكتب هو «مكافحة الارهاب» على الطريقة الامريكية فان المقصود بوسائل اعلام «أجنبية» هو قطعا الوسائل الاعلامية العاملة في العالم الاسلامي او الموجهة اليه.. وخاصة بلدان العالم العربي. وهكذا تكتمل جوانب الحرب الامريكية طويلة المدى الموجهة ضد الامة العربية والاسلامية بعد اكتمال سيطرة الدكتاتورية العسكرية الامريكية على كافة أدوات الهجوم: القوة العسكرية، والارهاب الأمني والدبلوماسية.. والآن السلاح الاعلامي. ومع مرور كل يوم يبدو انها حرب شاملة بلا نهاية مرئية. الى متى اذن تبقى الدول العربية والاسلامية في موقف الطرف المتلقي الذي لا يقاوم حيال هذه الحرب متعددة الاشكال؟ على الصعيد العسكري اغرى تأييد الدول العربية والاسلامية للحرب الامريكية في افغانستان قادة الدكتاتورية العسكرية في واشنطن بتوسيع نطاق العمل العسكري ليشمل قائمة طويلة على رأسها العراق الشقيق. وعلى الصعيد الامني تجاوبت حكومات عربية واسلامية مع الدعوات القمعية الصادرة عن الاجهزة الاستخبارية الامريكية. وعلى الصعيد الدبلوماسي تراخت الدبلوماسية العربية والاسلامية عن التقدم بأي احتجاج دبلوماسي جاد حيال العدوان الدبلوماسي الامريكي تجاه منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بدمغها بنعت الارهاب. والآن ومع تحرك الدكتاتورية العسكرية الامريكية اعلاميا لشن حرب التضليل الاعلامي فان اي مراقب موضوعي يترقب ان تعمد واشنطن الى ممارسة ضغوط على الحكومات العربية والاسلامية لكي تتجاوب محطات التلفزيون والاذاعة والصحف المملوكة لهذه الحكومات او الخاضعة لنفوذها مع متطلبات حملة التضليل الاعلامي الامريكية. فهل تقاوم الحكومات هذه الضغوط؟ لقد صار من الثابت الآن ان ما يسمى بالحرب الامريكية ضد الارهاب العالمي مصطلح فضفاض وضع بغموض متعمد ليشمل كل شيء وأي شيء يتعارض مع الاجندة الدولية للولايات المتحدة، وأن في سبيل هذه الحرب الشاملة التي لا نهاية لها فان واشنطن مصممة على اقحام نفسها في الشئون الداخلية للدول وخرق سيادتها الوطنية. فالى متى نساير هذا المخطط الشرير؟