لا ينفصل عن التباين القطري من الواقع الاعلامي للدولة في المجتمعات العربية الوضع الاقتصادي الذي يؤسس لهذا التباين ويدعمه. وإذا كان المثل الغربي يقول إن من يدفع للعازف هو الذي يختار الأغنية، فإن الواقع الاعلامي العربي، خصوصا على مستوى الاعمال الإبداعية التي تبث رسائل غير مباشرة، يؤكد أن القدرة المالية الاعلى على شراء المنتجات الاعلامية التي تنطوي على صورة المرأة تسهم في تحديد هذه الصورة، كما تسهم في اختيار ملامحها، ومن ثم اختيار أنماطها السلوكية ومجالات فعلها الاجتماعي، فضلا عن مدى حركتها العاطفية والعقلية. ناهيك عن اللغة المستخدمة والتي تجاوز العبارات الى اختيار الاسماء. واذا أخذنا الدراما التلفزيونية نموذجا على ذلك، خصوصا في العقود الاخيرة. لاحظنا بسهولة أن هناك نوعا من (الكود) (Code) أو الشيفرة غير المعلنة من حيث التصريح المباشر بها، لكن الظاهرة في الناتج الفعلي لهذه الدراما، وتتجلى هذه الشيفرة في قائمة لافتة من الممنوعات، وقائمة دال من النماذج النسائية التي يمكن ابرازها مقابل النماذج النسائية التي ينبغي تجنبها مضافا اليها قوائم أخرى خاصة باللغة المستخدمة والعلاقات القائمة بين الرجل والمرأة. هذه الشيفرة في واقع الأمر تقوم على الشروط التي تمليها القدرة المالية الأقوى والاكثر نفوذا في عمليات تسويق المنتجات الاعلامية، وعلى رأسها المنتجات الخاصة بالمرأة فيما يتصل بالتعامل الاقتصادي بين الفضائيات الاعلامية المختلفة وأجهزة انتاجها، الأمر الذي يؤكد نوعا من علاقات الانتاج الاعلامي الذي يغلب عليه، ومن ثم يتحكم في توجيه أدوات انتاجه، قوى مالية لا تشتري الا ما يوافق توجهاتها المحافظة في الأغلب الأعم. وليس ببعيد عن هذا الجانب موقف (الدولة) من اعلامها في هذا القطر العربي أو ذاك، على مستويات متعددة بالقطع وتباينات دالة بسبب اختلاف الأوضاع الاجتماعية وغير الاجتماعية ما بين الأقطار العربية، لكن مع وجود قاسم مشترك يسم عمليات التشكيل الاعلامي لصورة المرأة. ومن الواضح اننا لا نستطيع أن نتحدث عن كيان متجانس لمكونات الدولة العربية، أو عن تيار واحد يضم الجميع بلا استثناء، إذ يحدث أن يكون الموقف المعلن للدولة ايجابيا من المرأة، لكن الصورة التي ينتجها اعلام هذه الدولة عن المرأة فعليا غير ايجابية، ولا تتطابق مع الموقف الايجابي للدولة بأكثر من وجه. ويحدث ذلك عندما يكون الغالب على توجهات المسئولين عن الانتاج الاعلامي أفكار تقليدية جامدة عن المرأة، ومن ثم تغدو الصورة التي يعملون على انتاجها عاكسة توجهاتهم لا توجهات الدولة. ويحدث ذلك أيضا عندما تتصارع داخل بناء الدولة تيارات متعارضة، يميل بعضها الى مساواة المرأة بالرجل ومنحها كامل حقوقها بينما البعض الآخر يتخذ موقفا معاكسا تماما، ومؤكدا لكل ما يبقى على الاوضاع المتخلفة للمرأة وصورتها الاعلامية السالبة. وعندئذ يحدث تضارب على مستوى الانتاج الاعلامي بين الناتج الاعلامي لهذا الفريق أو ذاك، ويبث اعلام الدولة رسائل متناقضة عن المرأة، تماما كما يحدث في الاعلام المصري، خصوصا التلفزيون، حيث نجد عملا دراميا مثل (أم كلثوم) يبين عن القدرات الخلاقة للمرأة التي تتفوق على الرجال في مجال الفن، وتغدو حضورا اجتماعيا وسياسيا فاعلا لا يقل في تأثيرها عن كبار الرجال وأعاظمهم، وذلك مقابل (الحاج متولي) الذي يعكس نموذجا متخلفا للرجل الذي لا يزال ينظر الى المرأة بوصفها وسيلة استمتاع جنسي محض، أو بوصفها تابعا ذليلا سلبيا لا رأى له الا الاستجابة الى (الحاج متولي) الذي غدا نموذجا معاصرا لصورة (السيد أحمد عبدالجواد) في علاقته بزوجته (أمينة) في الجزء الأول من ثلاثية نجيب محفوظ التي كانت تعكس نموذجا انتهى مع الحرب العالمية الأولى. ومايقال عن الدراما التلفزيونية يقال عن البرامج المباشرة، فما بين الأحاديث التي تعكس خطابا دينيا معاديا للمرأة وللندوات الاجتماعية التي تعكس أفكارا جديدة، يتجسد التناقض الذي يمتد إلى غير ذلك، مؤكدا حالا من التناقض بين الرسائل الاعلامية التي يصدرها الجهاز الاعلامي الواحد، والذي يصدر للأسف عن العقلية التقليدية الجامدة التي تعمل على بقاء أوضاع المرأة العربية على ماهي عليه. وإذا انتقلنا من واقع الاعلام الرسمي للدولة الى واقع الدور المؤثر الذي تلعبه أدوات الاتصال الجماهيري الموازية للدولة، والموجودة بكثافة في بعض الدول العربية ومنها مصر، وجدنا أن هذا الواقع الأخير تغلب عليه قوى الانتاج الاعلامي التي تبث رسائل ذات صلة وثيقة بالتطرف الديني من ناحية، وبمحاولات الانقلاب على الدولة المدنية من ناحية ثانية. ولتحقيق هذا الهدف تسعى أدوات الانتاج الاعلامي لهذه الدائرة الى تثبيت صورة بعينها للمرأة المسلمة، صورة معادية للتقدم في جانب، ومناقضة لتعاليم الاسلام السمحة التي منحت المرأة من الحقوق ما لم يكن ممكنا قبل الاسلام، بل ما ظل نبراسا مضيئا لتحرير الاسلام للمرأة العربية. وقد تزايدت الرسائل التي يبثها هذا النوع الاخير من الاعلام في العقود الأخيرة على نحو متصاعد، وذلك اتساقا مع تصاعد درجات التطرف الديني في المجتمعات العربية. وكانت النتيجة اشكالا متعددة من المنتجات الاعلامية التي تبدو فيها المرأة على صورة جامدة، متخلفة، بوصفها ناقصة عقل ودين، حبالة الشيطان، أصل الغواية الذي لابد من قمعه. وقد استندت هذه الصورة، للأسف، إلى بعض الموروثات السلبية التي تحط من مكانة المرأة باسم تأويل ديني كاذب حينا، أو عرف اجتماعي فاسد حينا آخر. هكذا، أصبحنا نسمع من الأقوال المنسوبة للسلف ما يضفي نقابا سميكا على عقل المرأة وحضورها الاجتماعي والسياسي والثقافي في آن. وقد تجاوبت هذه الصورة السلبية، للأسف، مع توجهات التيارات المحافظة التي لا تزال مهيمنة على أكثر أجهزة الاعلام، الأمر الذي ترتب عليه اتصاف الصورة الاعلامية العربية للمرأة بكثير من صفات السلب الاجتماعي والثقافي والسياسي، كما ترتب عليه هيمنة الصورة النمطية التقليدية للمرأة اعلانيا، وذلك على نحو لا يدفع الى الصدارة بحال نماذج المرأة الايجابية التي لا تزال موجودة على مستوى الهوامش غير الفاعلة من الحياة العربية. ولكن اذا كانت هذه الصورة السلبية تشيعها أجهزة الاعلام الحالية، وتعمل على تثبيتها بشكل مباشر وغير مباشر، فإن هذه الصورة تنتسب في التحليل الأخير الى ثقافة المجتمعات العربية، وتعكس - بدرجات متفاوتة بالهلع - غلبة التيار التقليدي المحافظ على الثقافة العربية بوجه عام. وهو التيار الذي يغدو فيه الفارق بين المثقفين الدينيين، أحيانا، فارقا في الدرجة لا في الكيف. ومسئولية غلبة هذا التيار كاملة عن بعض الظواهر التي نلاحظها على الصورة الاعلامية التي تقدمها الفضائيات العربية على سبيل المثال، فهناك بعض الفضائيات التي لا تزال تتعامل مع مقدمات البرامج كما لو كن مصدرا للجذب الجنسي الذي يشد المتفرجين إلى هذه الفضائية، تنفيثا عن بعض العقد المكبوتة اجتماعيا. وهناك مقابل ذلك الصورة النمطية التي لا تزال تقدمها الدراما التلفزيونية في الأغلب الأعم. والتي لا تستمد مادتها أو نماذجها من المجموعات النسائية الطليعية التي لا تمثل المرأة الجديدة الا على سبيل الاستثناء أو الندرة. وهناك الاعلانات التي تعتمد على جسد المرأة بوصفها مصدرا للغواية التي تدفع الى رواج المنتج المعلن عنه من ناحية، وتثبيت صورة المرأة بوصفها كيانا مختزلا في الاثارة الجنسية لا غير. وهناك المستوى الثقافي المتدني لكثير من مقدمات البرامج، ذلك المستوى الذي يعكس وعيا اجتماعيا متخلفا، وصورة تقليدية جامدة للمرأة.