وفرت الأقدار للولايات المتحدة كل العناصر التي تدخل في تكوين مايعرف بالقوة الشاملة، واذا كان بلوغ درجة المنعة الكاملة والاستغناء بالموارد الذاتية عن الآخرين، هو حالة مثالية يصعب تصورها بالمطلق، فربما كانت الولايات المتحدة في أقرب مستوى من هذه الوضعية. ومن منظور مقارن مع القوى الامبراطورية التي تقلبت على قمة النظام الدولي، يظهر التميز الأمريكي على نحو لا يمكن نكرانه، وذلك بغض النظر عن المراحل التاريخية موضع المقارنة. هناك في كل حال صدقية للاعتقاد بأن النموذج الأمريكي للقوة والقدرة على التأثير الكوكبي، هو نسيج وحده وقد تعز سوابقه. ومع ذلك، فإن السياسة الأمريكية، تبدو حريصة جدا على الاخذ بدبلوماسية التحالفات والائتلافات في مقاربتها للقضايا ذات الصلة بمصالحها. ففي مواجهة الخطر الشيوعي، عجلت واشنطن بانشاء الناتو عام 1949، مستهلة بذلك سلسلة من المحاولات الرديفة لتطويق الاتحاد السوفييتي ومناصريه سياسيا وفكريا. وعلى رغم زوال هذا الخطر، سواء كان حقيقيا أو موهوما، فإن حلف الاطلسي مازال حيا يرزق. بل وتسعى واشنطن لتعزيزه أفقيا ورأسيا. وفي توقيت أقرب، رعت واشنطن مايسمى بالتحالف الدولي لتحرير الكويت. ولا شك أن المنطق ذاته هو الذي يحف ويغلف الجهود الأمريكية لتكوين الائتلاف الواسع ضد «الارهاب الدولي».والحق أن دبلوماسية التحالفات بنمطها هذا، تعكس شيئا من المفارقة، أولا، لأن من يستحوذ على الطاقة الأمريكية من معاملات القوة، يفترض أن يكون بمنجاة من الحاجة الى مافي حوزة الآخرين. وكثيرا ما يتساءل المرء عما يدفع واشنطن للبحث عن شراكة أطراف لا يملكون في العلاقات الدولية شروى نقير. بحيث تكون شراكتهم أقرب إلى العبء منها الى الحافز! وثانيا، لأن متابعة المصالح الامريكية وصيانتها لا تستدعي في بعض القضايا تلمس العون من أخرين، باعتبار أن أدوات السياسة الأمريكية كافية وحدها وزيادة للمعالجة. وثالثا، لأن الممارسة الفعلية أكدت في غير أزمة ومثل استغناء واشنطن عن موارد الحلفاء بعد وقت قصير جدا من بداية الائتلاف، ما يبعث على الدهشة والاستفسار عن جدوى ازهاق الدبلوماسية الأمريكية وقتا وجهدا فيما لا حاجة ملحة لها به؟! أيعود ذلك لخطأ في حساباتها ازاء كيفية مواجهة هذه الأزمات، أم أن في الأمر حكمة تخفى عن أعين المتابعين؟ الولايات المتحدة هي التي تحملت العبء الاكبر - على الصعيد العسكري بالذات - في التصدي لكل القضايا التي استأنست في مواجهتها بدبلوماسية الأحلاف. ولهذا فإن عكوفها على هذه الدبلوماسية وولوعها بتقسيم القوى الدولية الى محاور وجماعات وزمر، واللوذ بمحازبين لها كلما عنّ لها اثارة مسألة مافي البيئة الدولية، يبدو أمرا مثيرا للحيرة، وبحاجة لاستبصار كنهه وتحري أسبابه. على سبيل المثال الاجتهاد في هذا الاطار، لنا أن نلاحظ الأسلوب الذي تتبعه واشنطن في التعامل مع هذه الأحلاف لجهات تكوينها وبنائها وتحديد أهدافها وادارتها وتعيين توجهاتها الداخلية والخارجية.. ان نحن فعلنا ذلك، وجدنا واشنطن هي قطب الرحى وصاحبة الأمر والنهي، حتى أن مفهوم التحالف أو الشراكة بين أنداد لا أو متساوين لا يصلح لتوصيف تراتبية علاقة واشنطن بمحالفيها. واشنطن - بعبارات أخرى - لا تنظر الى أولئك المحالفين من منطلق التكافؤ معهم في الحقوق، كونها تعرف أنها تضطلع بالشطر الأعظم من الواجبات.. وتبلغ هذه النظرة مداها وصولا الى حد الاستعلاء والاملاء على الشركاء، حين تتعلق حركة التحالف أو الائتلاف بمهمات عسكرية أو استراتيجية. فهي لم تتساهل مع أية ميول استقلالية من المحالفين الأوروبيين ابان الحرب الباردة، اعتمادا على دورها الممتاز في نشرها مظلتها النووية عليهم. هذا دون الحاجة لتذكيرهم بفضلها في تحريرهم من النازية والفاشية عسكريا واقالة حياتهم عبر مشروع مارشال اقتصاديا من قبل ويصدق التقرير ذاته اذا ماتأملنا حجم المداخلة والدور الأمريكي في سياق المواجهة مع العراق على أرض الكويت أو في غمرة حملة دحر نظام طالبان ومطاردة تنظيم القاعدة. وعموما فإنه في كل الجولات التي قدرت الولايات المتحدة خوض غمارها مصحوبة بمحالفين أو شركاء، ضمن المصمم الأمريكي لبلاده دور القيادة والمرجعية في تحديد السياسات والتوجهات وفي مشهد كهذا، قد لا يصح توصيف شبكة التفاعل بين واشنطن وهؤلاء الشركاء بالتحالف أو حتى الائتلاف الا من باب المجاز. الأقرب للدقة - اذا تجاوزنا الشكل الى المضمون - ان الولايات المتحدة انما تتعامل بدبلوماسية خلق الاتباع، محفوزة الى ذلك بذهنية الريادة والأخ الأكبر، الذي يدرك أية مكانة تؤهلها له عصمة القوة النسبية الهائلة التي ينفرد بها على جميع الصعد. اللافت للانتباه ان بعض محالفي واشنطن التقليديين القدامى، ومعظم حلفائها الجدد بعد الحرب الباردة، يفهمون حقيقة ماتقوم به السياسة الأمريكية وطبيعة الادراك الذي تتحرك من خلاله في صلتها بهم. وماتعبيرهم عن الامتعاض من الاستتباع لواشنطن في بعض الأوقات وتجاه بعض القضايا، الا مظهرا للتوتر والقلق الذي يتأتى عن رغبتهم في التحرر من الخطاب الأمريكي الأمر. غير أن هؤلاء سرعان ماينضوون تحت هذا الخطاب ولو على مضض وكره، نزولا عند حقائق موازين القوى وماتفرضه الحسابات الخالية من دسم العواطف والغضب العابر. مثل هذا التحليل يصل بنا جدلا، ولعله يسوقنا سوقا، الى نتيجة محبطة بشأن حدود التململ الذي تبديه قوى دولية كثيرة من السلوك الأمريكي ثمة حرج أوروبي واضح وغضب عربي وقلق صيني وتربص روسي، من توجه واشنطن الى حمل الجميع على الايمان بخطابها ومفرداته شديدة التعميم والسطحية والاستفزاز، بخصوص قضايا بالغة التعقيد والحساسية. ومع ذلك لا أحد بوسعه أن يخمن أو يمكنه ان يستشرف على وجه اليقين ماستتمخض عنه هذه المواقف الاحتقانية.. ترى هل يحدث الانفضاض من حول هذا الخطاب بالمطلق؟ أم اننا بصدد ممانعة مؤقتة عودنا عليها بعض المحالفين والشركاء في مواسم ساخنة أخرى قبل أن يرتدوا للاصطفاف خلف واشنطن؟ ان كلا من هذين التوقعين ينذر بتداعيات وخيمة دوليا في المرحلة الراهنة.الواقع هجران الخطاب الأمريكي كليا خيار غير واقعي، وهو عند أطراف بعينها في حكم المستحيل، كذلك فإن التقيد بهذا الخطاب حرفيا على عيوبه الظاهرة والباطنة، يسهم في الهاب البيئة الدولية. لذا فإن الاتجاه الى عقلنة الجموح الأمريكي عبر وسائل كثيرة، بينها الممانعة الحقيقية في الاستتباع الأهوج لواشنطن، يبدو بديلا وسيطا ممكنا، ولكن أين نحن من موازين القوى وأنماط التفاعل المتكافئ بين الولايات المتحدة والأخيرين، التي تسمح بمروره؟ ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة