من ملاحظاتنا العابرة ومقارناتها بين الاجيال المختلفة ممن يتعاملون مع الكتاب غير الالكتروني، نجد بأن نَفَس القراءة لدى جيل الشباب اصابه ضعف واضح، وذلك بالاتجاه نحو الترفيه ،اكثر من غيره من المجالات التي تحتاج الى كثير من الصبر وبذل جهد مضاعف لتثبيت المعرفة عبر قنواتها الشرعية وقواعدها الرصينة. فسلوك القراءة المتأنية والدائمة أخذ يتدحرج الى الخلف قليلاً قليلاً وهو أمر بحاجة الى دراسات ميدانية للتأكد منه ووضع الحلول المناسبة لضمان عدم تدهوره مع مرور الزمن، لأن القراءة جزء مهم من تكون بناء شخصية الانسان الذي اختار طريق المعرفة والثقافة هدفا له فتشجيع هذا مطلوب وانتشال الاخر اكثر ضرورة. نعيد الى انفسنا الامل الوقتي أحيانا، عندما نتابع التقارير الدورية التي تصدر من المؤسسات الثقافية بالدولة وخاصة اذا ما احتوت على زيادة عدد رواد المكتبات من القراء وغيرهم لفرض تنمية المعرفة الصحيحة لديهم عن طريق مصادرها الاصلية، قبل القفز عليها الكترونيا. طالعتنا الصحف المحلية اخيرا بآخر الاحصاءات حول المقبلين بنهم على قراءة الكتب وتوابعها وبأعداد مشجعة وأرقام مميزة، فالذين اتجهوا مباشرة الى الكتب بلغوا 373.373 وهو رقم يستحق الشراء لتميزه، بإجمالي عدد القراء وصل الى 93.7 الف قاريء قصدوا دار الكتب الوطنية بالمجمع الثقافي، ولاشك بأن هناك المزيد من الآلاف الذين تابعوا قراءاتهم في المكتبات العامة بالدولة والمكتبات الخاصة التي لا تدخل في الارقام الرسمية والاحصاءات التي يجب ان تراعي هذه الشريحة التي قد تفوق الاعداد الرسمية المنشورة دوريا. فهذه الآلاف هم جسر التواصل مع المعرفة المتجددة وبدونهم تجف الينابيع التي تروي ظمأ عشاق الكلمة المقروءة قبل الانواع الاخرى، لأن الكتاب هو المصدر الوحيد الذي يطلع من خلاله الانسان على اوجه الحياة المتعددة حتى وان عاش به منعزلاً عن الاحتكاك بالآخرين. فحياة القاريء مع الكتاب تعني ان يحيى عمره وعمر الاخرين، فيمتد العمر به فيعيش اكثر اشراقا، وتفاؤلا ممن يقفون على عتبة الوجه الواحد لحياتهم القصيرة في الزمن والطويلة في سيرة المعرفة المتواصلة. وحتى لا نفقد المعين الدائم لهذه الحياة بين الكتب فلابد من التركيز على الطفل القاريء وتعويده سلوكيا على الادمان المعرفي منذ سنيه الاولى ومن هنا انزعجنا لانسحاب 68 طفلا من قائمة المستعيرين بالمجمع الثقافي، فبقاؤهم كان افضل ومضاعفة اعدادهم كانت اهم لانهم بحاجة الى المزيد من الرعاية والدراية بمستقبلهم العلمي. فالذين سبقوا في هذا المجال لهم الريادة ومن مضى خلفهم لهم شرف الاتباع والاقتداء، اما من تخلف عن ركب القراءة فعليه استدراك وضعه مهما كانت قوة التقنية الالكترونية طاغية وضاغطة الا انها لا تغني ابدا عن رائحة الكتاب الصلب وهذه شهادة الغرب وليس العرب فالفارق بيننا وبينهم فقط في هذه النقطة.