تحتفل أمتنا العربية والإسلامية بعيدها الأكبر، عيد الاضحى المبارك، وتستعيد أجواء واقعة الفداء، وانتصار قوة الإيمان ورسوخ العقيدة على تهويمات ووسوسات الشياطين، ويعيش ملايين الحجاج في بيت الله الحرام في مكة المكرمة مشاهد وشعائر الحج، لا يفرق بينهم شيء من فوارق اللغة أو اللون أو الثروة، فكلهم سواء عندما يقفون اليوم بجبل عرفات، مجسدين مشهداً نادراً للوحدة التي يدعو لها الإسلام. وينتظم المسلمون في وطننا وفي كل بقاع العالم تحت راية إحياء عيد الأضحى، متخطين حواجز الجغرافيا والزمان، ولو في أيام الحج فقط، قبل أن تبتلعهم من جديد دوامات الواقع المحاصر بتحديات الآخر وهموم الذات المسلمة. عيدنا مبارك، وعساكم من عواده، نقولها وقلوبنا مشدودة بوتر الأمل الأبدي، والرجاء في يوم تندمل فيه جروح الأمة، وتتعافى وتنهض من رقدتها، وتستعيد قيادها، وتتقدم لتستعيد دورها الإنساني، وتمد عالمنا بإسهامات تعيد للبشرية الوجه المتألق للحضارة، وتنتصر للإنسان على ما عداه من صور التوحش والتشيؤ، والتي تنسحق تحتها كرامته، وتزهق روح إبداعاته. عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، نقولها ونرسم البسمة على شفاه قلوب أمهات الشهداء، وزوجات الشهداء وأبناء الشهداء، الذين طهروا بدمائهم ساحات الأقصى من دنس الصهاينة، وجادوا بأرواحهم فداء لمقدسات الدين والوطن. عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، نتبادلها مع اخواننا المحاصرين في فلسطين المحتلة، ونقبل الأرض تحت أقدام الصامدين، القابضين على جمر الكرامة، المدافعين بصدورهم العارية عن القدس وأم الفحم ورام الله ونابلس، اولئك المتطهرين من دنس التوسل للعدو وكفيله الدولي، المعلنين على الملأ إبراء ذمتهم من الخانعين والمرجفين الواقفين في طابور النفاق والاستسلام والاستصغار الممتد من عبدالله بن سبأ في فجر الإسلام وحتى أحفاده في أيام الحصار. عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، نقولها لأهل المروءة العربية، الساعين رغم وعورة الدرب إلى ارساء ولو حجر في بنيان النهضة، وسد الفجوات في جسور الطاقة المهدورة، وإبقاء شعلة الأمل في غد أفضل، قائمة لا يطالها من يريد اطفاءها عن جهالة أو سوء قصد. عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، يا كل من يدافع عن صورة الأمة والاسلام ناصعة، لا تعلق بها شائبة وتستعصي على حملات التشويه واحاديث الإفك، دون الوقوع في فخ الابتزاز، والانصياع لتهديدات الآخر الذي لن يرضيه سوى تفريغ عقيدتنا من مضمونها، وجعلها مجرد طقوس وأشكال فارغة من الحياة. عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، أيها العائدون من الضياع والتيه ورحلة الفتن، بعد أن استدرجتم لمعارك ضالة ومضلة، ضُيع فيها معنى الجهاد في سوق اللعبة الدولية، وكنتم مجرد أحجار على رقعة شطرنج تلاعب بها شيطان السياسة المعاصرة، على أمل أن تفيقوا من الوهم، وتسترجعوا قيمة المعاني المقدسة، ولا تسمحوا بخلطها في أوراق اللعب الدنيوية، وترفعوا راية الجهاد الأكبر في أوطاننا لنمحو عن اهلينا آفة الجهل، والتخلف ونعبر بهم الى ضفة التنوير والنهوض، حتى لا نبقى أمة مهمشة تعيش عالة على ما ينتجه الآخر، الذي ينشغل المتنطعون فينا بذمه فقط، دون البحث عن اجابة سؤال: لماذا نبقى أسرى التخلف؟ عيدكم مبارك، وعساكم من عواده، يا أبناء خير أمة أخرجت للناس، طالما بقيت رسالتها وتواصل عطاؤها الحضاري للبشرية، وتواصلها وحوارها مع الذات قبل تحاورها مع الآخر.. وكل عام وانتم بخير.