بأي درجة من المصداقية والجدية نتقبل تصريحات العديد من المسئولين العرب بأن حكوماتهم تعارض أي عمل عسكري أمريكي كبير ضد العراق؟ قطعا ليس بمستوى مصداقية وجدية تلك الدول الاربع غير العربية ـ روسيا وفرنسا وألمانيا والصين ـ التي ارتقت معارضتها الى ما يشبه التحدي لادارة بوش. ثم ان مواقف الدول العربية تجاه التحرك الامريكي لشن الحرب في افغانستان لا يزال ماثلا في الاذهان العربية. فحتى اللحظة الاخيرة قبيل اندلاع الحرب كانت المواقف العربية المتطابقة تقول ما معناه: لن نؤيد هذه الحرب ما لم تبرز لنا الولايات المتحدة ادلة قاطعة وملموسة تبرهن ان تنظيم «القاعدة» هو المسئول عن الهجمات الصاعقة في الولايات المتحدة صباح 11 سبتمبر الماضي. ولكن ما ان بدأ القصف الجوي الامريكي في افغانستان دون اي سند قانوني حتى تسابقت الدول العربية الى تأييد الحرب. والآن.. ولكي نتفحص مدى مصداقية وجدية الحكومات العربية في معارضتها المعلنة لأي ضربة امريكية مرتقبة ضد العراق فاننا لا نحتاج حتى الى استدعاء ازدواجية الموقف العربي تجاه الحرب الامريكية في افغانستان. يكفي ان ندقق في صياغة التصريحات المتتالية من العواصم العربية.. وسنكتشف قاسما مشتركا يكاد يكون وقع الحاضر على الحافر. فكل تصريح دون استثناء يشتمل على آلة الاستدراك «ولكن».. فتكون الصيغة اللفظية كما يلي: نحن نعارض اي ضربة امريكية ضد العراق.. «ولكن».. وبعد حرف الاستدراك مباشرة يوضع شرط مفاده ضمنا ان هذه المعارضة تسقط من الحساب «ما لم يلتزم العراق بقرارات الشرعية الدولية». ومثل هذا الاعتراض المقحم في السياق بعناية فائقة لا يبطل عمليا المعارضة العربية لضرب العراق الشقيق فحسب ـ بل ـ اذا دققنا اكثر ـ يتطابق في الحقيقة مع موقف الادارة الامريكية. فالرئيس بوش وغيره من المسئولين الامريكيين يتخذون من «الشرعية الدولية» ذريعة لتبرير الاعتداء على العراق بعد ان أيقنوا بفشلهم المزري في تسويق فرية مشاركة بغداد في تدبير هجمات سبتمبر. والذريعة الأمريكية تقول: ان العراق يملك اسلحة دمار شامل. والدليل على ذلك ان الحكومة العراقية ترفض عودة مفتشي الاسلحة الدوليين وبما ان هذا الرفض يعارض قرارات مجلس الامن الدولي ذات الشأن فان ضرب العراق يصبح مشروعا من الناحية الجوهرية لا فرق اذن بين الموقف العربي والموقف الامريكي بشأن ضرب العراق. لكن من المتاح امام الدول العربية ان تعدل موقفها دون ان تبدو وكأنها تتحدى الشرعية الدولية اذا كانت ترى حقا ان النوايا الامريكية ضد العراق غير مبررة. فمجموعة الدول العربية تستطيع باجراء جماعي ان تدفع بالموقف الامريكي الى نقطة محرجة. كيف؟ تتقدم مجموعة الدول العربية بمشروع قرار الى مجلس الأمن الدولي. وبعد ان تؤكد في صيغة مشروع القرار هذا على قرارات الشرعية الدولية بشأن تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل او ما تبقى لديه منها فانها تطالب بتوسيع نطاق هذه القرارات لتشمل دول منطقة الشرق الاوسط كلها دون أي استثناء بما في ذلك اسرائيل. مشروع قرار كهذا، على خلفية ملكية اسرائيل 200500 رأس نووي عدا الاسلحة الكيماوية سوف يؤدي الى فضح الولايات المتحدة وارتباك حساباتها. فاما ان توافق واشنطن على المشروع، وهذا مستبعد فتنشأ ازمة خطيرة تهز التحالف الاستراتيجي بين امريكا واسرائيل. واما ان ترفض واشنطن المشروع «باستخدام الفيتو».. وفي هذه الحالة تكون الدول العربية في حل من الالتزام بشرعية دولية انتقائية وظالمة لا تستهدف الا دولة عربية.. فقط لأنها عربية. ان الادارة الامريكية تقول وتكرر القول في تبريرها لضرب العراق بذريعة الانتصار للشرعية الدولية ان العراق يهدد امن جيرانه ودول المنطقة باحتمال امتلاكه اسلحة دمار شامل. فلماذا لا ينطبق هذا على اسرائيل وهي ايضا كالعراق ضمن دول المنطقة؟ هذا هو السؤال ينبغي ان تطرحه الحكومات العربية على جورج بوش.