البارحة كان يوم التروية حيث نفر الحجيج الى منى استعداداً لهذا اليوم الذي قال عنه الرسول الكريم بأنه خير يوم طلعت عليه الشمس.. يوم عرفة.. نعيشه بعيداً عن الاماكن المقدسة صائمين ويعيشه الحجيج وقوفاً على عرفات الله.. حيث اللقاء العظيم مع النفس والخالق وحيث تتعطل لغة الكلام فلا يبقى سوى الصمت والدموع ولغة واحدة تفجرها ملايين الحناجر هاتفة.. لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك. وعلى عرفات الله.. يمارس الحجيج أعظم شعائر الحج، حيث الحج عرفة، وحيث الزحام لا يقود الى ضيق أو غضب، وحيث لا يلتفت احد الى أحد ليبارزه بجاه أو منصب أو انتماء أو مال أو نفوذ.. فهناك لا نفوذ الا نفوذ الايمان والذوبان في المطلق الذي هو الأول فما قبله شيء وهو الآخر فما بعده شيء.. هو الله، الذي يلتف الجميع أمامه في رداء أبيض كتلك اللفافة التي لفوا بها لحظة الميلاد والتي سيخرجون من الدنيا بها، واذن فلا فائدة من كل هذه العنجهيات التي بلا معنى، فنحن في هذا الكون لسنا شيئاً سوى هباء أمام جبروت العظمة.. وجلال الحضور الشامل المهيمن على تفاصيل الكون.. حضور الخالق. اليوم يقف قرابة مليونين ونصف المليون حاج بين يدي الله يلهجون بالدعاء والتلبية، عراة إلا من قطعة قماش بيضاء خالية من زينة وبهرجة، والفضاء الذي كان خالياً صار اليوم مزروعاً بملايين الخيام وآلاف البشر من كل أصقاع الدنيا، جاءوا على اختلاف بلدانهم وألسنتهم وانتماءاتهم وجنسياتهم، ليذوبوا أمام حضرة الخالق.. ويذرفوا دمعهم ويعلنوا توبتهم في ضيافته ورحابه.. حيث وقف سيد الخلق ذات يوم مع أصحابه وفي نفس المكان يرددون نفس الكلمات: لبيك اللهم لبيك. في مشهدهم تذلل واضح، وعلى وجوههم خشوع لا تخطئه العين، فقراء حقاً.. ومن منا ليس فقيراً الى مولاه وخالقه، ولهذا يبكي الحجيج.. ونبكي جميعاً ونذوب خشوعاً ودموعاً. «اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى» خطاب الله الى نبيه موسى في رحلة العودة وشرف حمل الرسالة، وعلى عرفات يكون نداء الخالق الى عباده الحجاج.. ان اخلعوا الدنيا كلها عن كواهلكم.. ألقوها بعيداً.. واقبلوا علي اغفر لكم وارحمكم واعفو عنكم.. وألقي عليكم الأمن والسلام وراحة القرب التي لا راحة بعدها، دون حاجة لطقوس وكهنوت وأسرار وكهان وواسطات.. فلا واسطة اليوم بين الآلاف الخاشعة وبين سيد الكون ومالك كل شيء.. لا حاجة للوساطات أبداً.. ارفع بصرك الى الله وابسط كفيك بالدعاء مباشرة.. وكن على يقين من كرم الخالق: (ادعوني استجب لكم). في عرفات اليوم عراء وفضاء مزروع بنفوس خفت الى لقاء بارئها.. في عرفات اليوم لا شيء سوى العراء.. أجساد لا تتغطى سوى بأبسط اللباس ونفوس تعرت من رداءاتها وضلالاتها.. فلا قسوة ولا ظلم ولا غرور ولا رياء ولا كذب ولا عنجهية ولا سلطة لأن الكبرياء لله والعظمة لله.. والظلم حرام، حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرماً، وامرهم بألا يتظالموا! اليوم يعلمون ذلك على وجه اليقين.. وبكل الحقيقة والتجرد. مليونان ونصف المليون حاج تقريباً ومثلهم أضعاف يهتفون اليوم لخالقهم.. يذوبون أمام رحمته وعظمته.. لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. ان الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك لبيك.. فاللهم اشركنا في دعائهم.. وامنحنا بركات من فضلك عليهم.. وقوي ايماننا وعزائمنا كي نخف للقائك العظيم في عامنا المقبل لنذوق حلاوة الايمان والغفران التي تتنزل على حجيجك الواقفين بين يدي رحمتك اليوم في صعيد عرفات الطاهر.