قلب هذا الوطن العربي الكبير واحد مهما عصفت به الانواء واشتكلت اطرافه على بعضها البعض، قلب كبير تسري في خلاياه دماء امة ودين ورابطة غزيرة غزارة الوشائج التي تنسج روحه وجسده. بالامس اعتل هذا القلب في كارثة قطار الصعيد في مصر وكأنها تحدث هنا، او هناك، او في أي بقعة من هذا الوطن الكبير المكلوم على الدوام. كارثة آلمت الكبير والصغير. بودنا لو نتمكن من ارسال التعازي الى المكلومين في مصابهم الجلل الى كل بيت في مصر العرب والعروبة، بودنا لو نعرف العناوين والاسماء والبيوت الحزينة. لكن هذي قلوبنا الصغيرة تبثها عبر شرايين قلب الوطن الكبير، هذا الوطن الممتدد في صدورنا وفكرنا، هذا الوطن الذي ما تلبث تنهش فيه الذئاب من كل صوب وحدب دون كلل ولا ملل، طمعا تارة وحقدا تارات اخرى. نرسل التعازي بعدد الضحايا الذين تساقطوا من نوافذ القطار القاتل، وبعدد عظام الصغار التي تفحمت بعدد ذويهم واهلهم وكل الذين يحزنون منهم في الساعات القريبة من العيد. ومن طرف القلب الكبير المعتل الاخر نرسل التعازي الى اهل الشهداء المناضلين، الى الاهل الصامدين في المدن المحاصرة، الى الذين تنهشهم الذئاب سرا وعلنا، امام شرعيات العالم المتحضر، الى الذين صارت زيارة المقابر حياتهم اليومية، الى حملة النعوش باستمرار، الى المتروكين في فك الحيوانات المفترسة عنوة، نرسلها ليل نهار ونحن امام المشهد الدامي الذي يواصل النزف من ارواحهم وارواحنا، ونبتهل للقهار في الايام المباركة ان يرفع الظلم عنهم، وعن سائر المحاصرين بالجوع، والمطاردين بالتشرد مع صغارهم وكبارهم، وعن الذين يدفعون ضرائب الصمت، والخضوع، والتبعية، والهوان. نرفع الدعاء والملايين من المسلمين ترحل باتجاه عرفات التوبة، الى الوقفة المشهودة، الى المكان الذي ترتفع فيه الاكف الى بارئها تطلب الغفران والتطهير من حياة ملأتها الذئاب البشرية بالشر. نرفع الاكف مع العبدة الطاهرين المصلين القانطين، نجهر بالدعاء والدمع ان يرفع مسير الكون والعالمين ظلم الظالمين عن المظلومين، وان يسخر عباده الصالحين لصلاح هذا القلب الكبير المفتت عنوة واجبارا، وان يسخر مسلميه ومؤمنيه لاسترجاع حقوق المسروقين وامن المشردين والمعذبين في ربوعه، وان يلهم ابناءه سبيل صلاحه، حتى تفسد الاعيب اللاعبين في مقدراته ومصيره. في هذا اليوم المبارك نرفع الاكف مع الملايين الزاحفة في الاراضي الطاهرة، الملايين من عرب ومسلمين ان يعافي الخالق عز وجل هذا القلب الذي امرضته الخطوب، وان يبعد عنه من ينهش خلاياه من داخله وخارجه. ان يجعل العرب والمسلمين في كل انحاء الدنيا تنبض بنبضه، ليستعيد جسد الوطن الكبير صحوته ويفيق من بؤس احزانه. اللهم آمين.